ساكنة آسفي.. مغاربة يعانون وسط نهار الفوضى وليل العفن

ساكنة آسفي.. مغاربة يعانون وسط نهار الفوضى وليل العفن

إذا قادتْكَ أقدامُكَ وأنت تحطّ الرحال لأوّل مرة إلى مدينة آسفي، نحو المدينة القديمة، خصوصا في الليل، يصعب أن تصدّق كيف يصبر السكان هنا على المحن.. بوسط المدينة القديمة، خصوصا في شارعي الرباط وإدريس بناصر، لا يتوقّف ضجيج الباعة المتجوّلين، وباعةِ السمك، وعندما يُسدل الليل ستائره على المدينة، وينسحب الكل، يتحوّل المكان إلى “مزبلة” حقيقية تختلط فيها المتلاشيات مع أحشاء الأسماك، ويصير المنظر العامّ مقزّزا، تفوح من أرضيته المبلّلة بالوحل روائح لا تٌطاق.

في حدود منتصف ليل أحد أيّام الأسبوع الماضي، وبينما كان شارع الرباط يلفظ آخر المارّين به، تحديدا حين شرع البائعون الجائلون في جمْع سلعهم، بدأت معالم الشارع تتبدّى. على الرصيف وعلى قارعة الطريق أحشاء أسماك ومياه آسنة يلزمك أن تسير على أطراف أصابعك كي تتجنب التصاقها بالثياب..

كلّما توغّل الزائر أكثر، يكتشف مزيدا من “العفونة”، ومزيدا من الأزبال والمناظر “البشعة”. الأزقّة الضيّقة للمدينة القديمة والحالة المتردّية لواجهتها وقسماتُ وجوه بعض من عانوا تقلبات الزمن تنطق بؤْسا وفقْرا.. في إحدى الساحات ثمّة ضريح “سيدي بو الذهب”، في مقابله على الجانب الآخر سياج حديدي يفصل الشارع عن سكة قديمة للقطار، تُطلّ من السياج فتصادف مياها آسنة تنبعث منها روائح كريهة تترنّح فوقها أزبال.

في مكان آخر، وعلى جانب البحر، ثمّة بضعةُ كراس حديديّةٌ صدئة مخصّصة للمُشاة. المكان في منتصف الليل يبدو مُقفرا، أرضيته محفورة، ويفصل بين الشريط المخصص للمشاة والبحر سياج حديدي يظهر من شكله أنّ فُرُشات الصباغة لم تمرّ عليه منذ زمان.

على الجُرف عدد من الشبان، بينهم أيضا شيخ، منهمكون في صيد الأسماك التي تحملها الأمواج المتلاطمة في الأسفل. المكان غير محروس ويمكن لأيّ طفل أن يتجاوز السياجَ الحديدي القصير ويسقط من على الجرف الذي يناهزه علوّه عشرين مترا. هنا أيضا يوجد ضريح شاهد على “الاهمال” الذي يطال المكان، وقصبة تاريخية انهار جزء منها، دون أن يُبادر أحد إلى ترميمه، ربما في انتظار أن تنهار القصبة التاريخية بالكامل.

عدد البائعين الجائلين وسط المدينة القديمة، الذي اتخذوه مستقرّا لهم، يصل إلى حواليْ 700 بائع حسب تقديرات أحد أبناء المدينة. الأخير يقول إنّ السلطات عاجزة عن تطهير المدينة منهم، وأنّ المرّة الوحيدة التي نجحت في ذلك كانت عندما زار الملك المدينة خلال شهر أبريل الماضي، حينها استعانت السلطات بقوات عمومية مكثفة، وعندما انتهت الزيارة عاد البائعون الجائلون لاحتلال أماكنهم، دون أن يجْرؤَ أحد على الاقتراب منهم، “لكونهم يشكّلون كتلة انتخابية مهمّة يسعى بعض المنتخبين إلى إرضائها”، يضيف المتحدث.

عندما تُنهي جولتك بالمدينة القديمة لأسفي، وترى كل هذه المشاهد “البشعة”، لا بدّ أن تفكّر ألف ومرّة قبل العودة لزيارة المكان مرّة أخرى، إلاّ أن طيبوبة الساكنة ستعاود قيادتك نحو المنطقة، على الأقل كي تكتشف ما إذا كان المدبرون قد قرّروا رفع الأذى إكراما للمسفيويّين المستحقين لفضاء عيش أرقى.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

1 تعليقات

  1. كريم

    أنا من سكان آسفي و بصراحة بت أكره هذه المدينة لما آلت إليه من زحام و فوضى و تلوث و هجوم الإسمنت على المساحات الخضراء.
    آه لو تتاح لي الإمكانات للرحيل.

    الرد

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع المقالات و المواضيع المنشورة على الموقع تعبر عن رأي أصحابها و ليس للموقع أي مسؤولية اعلامية أو أدبية أو قانونية