من عبق تاريخ المقاومة بآسفي العلامة والفقيه محمد الهسكوري مؤسس الحركة السلفية بأسفي

من عبق تاريخ المقاومة بآسفي العلامة والفقيه محمد الهسكوري مؤسس الحركة السلفية بأسفي

-أسفي الأن
ملفات
-أسفي الأن13 مايو 2020آخر تحديث : منذ 5 أشهر
655 - أسفي الأنبكرت أسفي، مثلها في ذلك مثل مدن مغربية قليلة محدودة، بفتح صدرها للفكر السلفي الجديد، الذي انبثق في القرن الماضي على أيدي جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وغيرهم، والذي كان يدعو إلى تحرير العقل من الجمود والتقليد وتطهير العقيدة من كل ما لصق بها من بدع وخرافات عبر عصور الانحطاط، والإجهاز على الطرقية وما يرتبط بها من سلوكات منحرفة وخمول وغفلة، والعمل على صيانة الهوية العربية الإسلامية من كل مسخ أو تغريب؛ وكانت استجابة المغاربة لهذه الدعوة والحرص على تطبيقها بإصلاح أحوالهم، بمثابة إرهاص لبروز وعي ديني وسياسي(1)، ظهرت أول تجلياته بصدور الظهور الظهير البربري سنة 1930، وما تبعه من أحداث الاستنكار والتذمر؛ ويذكر الفقيه محمد الهسكوري أن أسفي أخذت بالفكر السلفي الجديد “منذ نحو 1925″(2) على يد جماعة من علمائها، الذين عملوا على نشره بكل صبر وأناة، حتى جاوز نفعه الديني والوطني حدود أسفي إلى كل الأفاق، ويرجع كل الفضل في تنوير أهل أسفي بسراج هذا الفكر الإصلاحي، إلى جهود شخصين مرموقتين وكبيرتين في مقامهما العلمي وبعد نظرهما الوطني، هما محمد بن الطيب البوعمراني (أو الباعمراني) وأبو شعيب الدكالي .

1- محمد بن طيب البوعمراني(3): يشهد كل من خالط هذا الرجل، أنه كان من كبار علماء أسفي، ومن أكثرهم عطاء وتضحية في الكفاح الوطني، على الصعيدين الأسفي والوطني، وقف وهو طالب بجامعة القرويين بفاس، وأيضا من خلال علاقاته الوثيقة بالشباب المتنور والوطني بفاس وسلا والرباط، على ما كانت تموج به الساحة الفكرية من نشاط سلفي متجدد ومتحرر، فأبى إلا أن يغترف من ينبوعه، ويشمل بخيره بني مسقط رأسه من العلماء والمتنورين، فأخذ في تزويد آسفي بكل ما وسعته يداه من كتب ومجلات سلفية، وصار يدعو علماء آسفي إلى نفض الجمود والتقليد، لتتحول مكتبته(4) المجاورة للمسجد الأعظم، إلى منارة علم منتدى يقصده عدد من العلماء لتدارس الفكر السلفي، واستيعاب ماجد من أفكاره وطروحاته، وللعمل على إنجاح أهدافه بالوعظ والإصلاح والتقويم.

2- أبو شعيب الدكالي(5) : يعتبر أول داعية للفكر السلفي الجديد بالمغرب، فبعد إكمال دراسته بالشرق، عاد إلى وطنه المغرب و”كله رغبة في الدعوة لهذه العقيدة والعمل على نشرها”(6)؛ وقد أبلى في ذلك بلاء حسنا، حتى لقبه معاصروه “بالشيخ عبده المغرب”(7)، تشبيها له بشيخه وأستاذه محمد عبده، فكان “بين الآونة والأخرى”(8) يحل بمدينة أسفي، ويجتمع بعلمائها وأهلها في المساجد والمجالس، ويعطي دروسا يجمع كل من حضرها على أنها كانت منفردة في أسلوبها وطريقة بحثها وعرضها، فهي تختلف كليا عن ما درج عليه علماء العصر، فهي تغوص بروح جديدة في تفسير القرآن وفي الحديث والفقه، نابذة كل تحجر أو تقليد، تستغل كل فرصة سانحة لتدعو الناس بقوة البيان والحجة إلى العودة إلى الكتاب والسنة، والسير على مذهب السلف الصالح(9)، وليستنكر وبشجاعة وحماسة كبيرتين البدع الخرافات، التي تشوب عقول كثير من الناس، ويدعو إلى “ضرورة مقاومتها والكر عليها”(10)، ليخرج أحيانا مع تلامذته إلى الناس ويباشر “قطع الأشجار المتبرك بها، والأحجار المعتقد فيها”(11)، حتى يبطل ما يروج حولها من بهتان وضلال، ويكون قدوة لغيره في محاربتها والإجهاز عليها.

ويذكر الفقيه الهسكوري أن فئة من علماء أسفي، انتظمت في جماعة سلفية تزعمها محمد البوعمراني المذكور، وضمت الفقيه الهسكوري والفقيه المستاري والفقيه الكانوني والفقيه محمد بن الطيب الوزاني والفقيه إدريس بناصر والفقيه المجاهد محمد بن علي الريفي الوكيلي(12)، وقد انكبت هذه الجماعة على “دراسة مجلة الفتح ومجلة الإسلام…ومجلة مكارم الأخلاق ومجلات وجرائد تفد من جمعية علماء الجزائر ثم أخرى من تطوان وكتاب العروة الوثقى، وكتاب لإبداع في مضار الابتداع، وكتاب السنة والمبتدعات، وشعب الإيمان للبيهقي، وسيرة الرسول صلى الله عيه وسلم والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وتراجم العلماء”(13) .

ومن استعراض هذه المطبوعات ،يمكن الخلوص إلى :

1- أن رواد السلفية بأسفي، بانكبابهم على دراسة المطبوعات السلفية بكافة أنواعها، وبقديمها وحديثها، هدفوا إلى تنمية وترقية ثقافتهم الدينية، بنزع ثوب الجمود والتخلف عنها، والعمل على اكتساب فهم جديد وصحيح للعقيدة الإسلامية في أبعادها المختلفة، ومنها الخلقية والاجتماعية والوطنية .

2- إن رواد السلفية بأسفي بفعلهم العلمي، أرادوا الإطلال على حقيقة الواقع المغربي ورصد أدوائه، وفتح أعينهم ملء أحداقها على ما ينخر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، من انحطاط وانهزام واستعمار.

وسرعان ما استوعبت الجماعة السلفية رسالتها، فانبرى فرسان منها يحاربون الشعوذة والانحراف والبدعة، وتقويم ما اعوج من عقيدة الناس وسلوكاتهم، بإعطاء دروس في التفسير والحديث والسيرة والوعظ، وتنبيه الضالين والغافلين إلى مناكرهم، ودعوتهم إلى “ترك الشعوذة … ونبذ الخمور ولعب الميسر، والتبذير في الأفراح والولائم”(14)؛ وقد مال الفقيه الهسكوري بحربه إلى جبهة أخرى، وذلك بالسعي بالحسنى إلى تطهير زوايا أسفي من ما كانت ترفس فيه من جهالة وضلالة، وقد تبنى في ذلك خطة ذكية، تهدف إلى إعادة الاعتبار للزوايا، حتى تستعيد أدوارها المشروعة، كمكان للعبادة والتصوف والتعليم .

ويحدثنا التاريخ أن الزوايا بهذا العصر، وبعموم المغرب، لم تكن في أحسن حال، بل اشتطت في ضلالها وبهتانا، وغدت معولا سهل الاستعمال في يد الأجنبي المستعمر، لتخريب البلاد والعباد، “بنشر الروح الخرافية والتواكل والاستسلام في أوساط الجماهير الشعبية”(15)، وفي ضرب كل مقاومة للمستعمر، وامتدت يدها للنيل حتى من الحركة الوطنية وملكها، وهي في أوج عطاءها وشعبيتها(16)؛ ومن أفعالها المنكرة نذكر :

1- أن أتباع عدد من الزوايا،كانوا يقترفون أفعالا همجية “يمجها الطبع ويصطحب على إنكارها العقل والشرع”؛ ومن ذلك أن أتباع الزاوية العيساوية، كانوا في مواسمهم يأكلون اللحوم النيئة بطريقة بشعة، ومن حولها تظهر وجوههم معفرة بالدماء، وكأنهم وحوش ضارية تفترس صيدها، وأن أتباع الزاوية الحمدوشية بدورهم، كانوا لا يقلون همجية، فكانوا في مواكبهم الصاخبة يشدخون رؤوسهم بشواقير وما شابهها، فتسيل دمائهم وربما قتل أحدهم نفسه، فيذهب ضحية الهمجية وسوء تقدير العواقب(17) .

2- إن شيوخ الزوايا،كانوا يستغلون غفلة أتباعهم، وكلهم من الجهال والسذج، ليسرقوا أموالهم بالباطل والخزعبلات، ويشيعون فيهم أفكار الخمول والانزواء والانهزام، والانشغال بالولائم والجدب والشطح والسماع والأذكار، في غير اكتراث بما يحدق بهم وبوطنهم من أخطار.

– إن المستعمر استمال عددا من الزوايا -إن لم نقل كلها- وجعل منها أدوات تخدير للعقول وطمس للبصائر وتثبيط للهمم واستسلام للغالب الدخيل(18)، فقدت أوصت الزوايا الدرقاوية والوزانية والتجانية والكتانية بطاعة الفرنسيين والانصياع لجبروت قوتهم، لأن إرادة الله اقتضت “تسليط النصارى على المسلمين، فالذين يقاومون النصارى- بزعمهم- إنما يقاومون إرادة الله”(19) .

ويشير فقيهنا الهسكوري إلى أن حملته السلفية ضد البدع وهمجية الزوايا، بدأت في سنة 1351هـ الموافق 1930م(20)، وذلك عبر عدة خطوات يمكن حصرها في ثلاث، وهي :

1- الخطوة الأولى: تحققت بتطوع الهسكوري لإلقاء دروس ليلية بالزاوية الحمدوشية، استقطبت العديد من أتباع الزاويتين الحمدوشية والعيساوية، وكان مضمونها يسير في اتجاهين متقاطعين :

-الاتجاه الأول: يركز على التعريف بأقطاب التصوف والولاة بالمغرب، ومنهم علي بن حمدوش ومحمد بن عيسى، المؤسس للزاويتين المذكورتين، حتى يدفع بالمنتسبين إليهما إلى التحقق من أن شيوخها المؤسسين لم يكونوا من الضالين المضلين، وأنهم في أذكارهم وطقوسهم وأفعالهم لم يحيدوا عن حدود الشرع، وأن ما أصاب الطرق الضالة من انحراف وفساد، كان من فعل “أرذال ودخلاء”، شوهوا سيرتها الصحيحة ” ببدع شنيعة ومناكر فظيعة “(21)، تستدعي اليقظة للتخلص منها.

– الاتجاه الثاني: أفاض في إعطاء شروح من كتاب “الإبداع ومضار الابتداع، ودروس في شعب الإيمان للبيهقي، ودروس في إحياء العلوم للغزالي(22)، وذلك بغرض تنبيه الضالين من الزاويتين، إلى ما يقترفونه من مناكر وبدع، ووعظهم بالبينة إلى ما يقيم أود عقيدتهم، ويصلح أحوال زوايتهم، ويعود بها إلى سيرتها الأولى.

ولم يفت الفقيه الهسكوري إخبارنا بالتغيير الذي فعلته دروسه بالأتباع الضالين، فيقول “فقد انقسم أتباع الزاويتين المذكورتين إلى قسمين، قسم رجع إلى الله، وقسم صار يقول: إن العلماء المسنين الكبار لم ينهوا عن أعمالهم، ولم ينكروا علينا قط”(23) .

2- الخطوة الثانية، وفيها اهتدى الفقيه الهسكوري وبتأييد من جماعته السلفية، إلى الجمع بين عدد وافر من العلماء يزيد عن العشرين وبين عدد كبير من أتباع الزاويتين بمقر الزاوية الحمدوشية(24)، وذلك في ليلة الخمسين التاسع عشر قعدة الحرام عام 1351هـ موافق16مارس 1933م(25)؛ وقد أقام الهسكوري مأدبة عشاء على نفقته(26)؛ وبعد أداء صلاة العشاء، تقابل الجمعان وبدأ سجال ديني،كان محوره سؤالين كبيرين من أتباع الزاويتين، أولهما: “هل ما يقام في الزاويتين … من الدين الحنيف أم هو مخالف لذلك ؟”؛ وكان السؤال الثاني: “لماذا لم ينهانا العلماء عن هذا ونحن نمارسه منذ زمان وبكل حرية ؟”(27) .

وكان أبرز العلماء الذين تصدوا لإجابة على الضالين شيخ الجماعة محمد بن إدريس مولاي الحاج بقوله: “إن كل ما يقام هناك (في الزاويتين) ليس من الدين، والدين بريء منه”، وتوجه إلى صاحب السؤال الثاني، وإلى من يسير في ركبه برد مفحم، بقوله: “إن أنت أردت أن تعرف الحلال من الحرام، اذهب إلى المسجد لتسمع ما ينفعك ويفقهك في الدين، ويفتح بصيرتك، حتى يتبين لك الحلال من الحرام”(28).

وتدخل عدد من العلماء مؤيدين القول الفصل لمولاي الحاج، ومنهم أحمد بن إبراهيم بنهيمة، الذي “طلب قرطاسا وداوة، وأفتى بحزمة البدع، التي تقام بالزاويتين المذكورتين، ثم تبعه جل العلماء حتى كان ثمانية عشر فتية”(29)؛ وعلى التو استجاب معظم أتباع الزاويتين لصوت الشرع والعقل، وأعلنوا أمام الملأ عن توبتهم، وتعهدوا بالإقلاع عن فعل المناكر المنهي عنها .

3- الخطوة الثالثة، وفيها سعى الفقيه الهسكوري وجماعته السلفية إلى اختيار وجمع أبلغ الفتاوي وأصلحها، مما أفتى به علماء أسفي في شأن محاربة مناكر الحمدوشيين والعيساويين(30)، ولا شك أن أكثر هذه الفتاوي بيانا وشجاعة في النكير وإيقاظ أولي الأمر، كانت فتوى “شيخ الجماعة” سيدي محمد مولاي الحاج، وقد أيدها أبرز العلماء بخطوط أيديهم، “مثل قاضي آسفي السيد محمد العبادي وسيدي أحمد المطاعي والشيخ الحافظ أبي شعيب الدكالي والسيد أحمد بن ابراهيم (بنهيمة) والسيد عبد السلام الوزاني وغيرهم”(31)؛ ومما جاء في فتوى العالم مولاي الحاج”…من المنكر العظيم ما كانت عليه الطائفتان الحمدوشية والعيساوية ببلدنا (مدينتنا) ونواحيها…وغير خاف أن تغييره، يكون بالسعي في إزالته وقطعه…غير أن تغيير المنكر لا يختص بالعالم وحده، بل هو من أهل الولايات وأولي الأمر أسند، ولذا كان حقا على كل منظور إليه ومتبوع من قاض وحاكم ومحتسب ورئيس، أن يبالغ جهده في قطع ذلك الفعل الخسيس، ويسعى ما أمكنه من إماتة تلك البدع المحرمات، بما هو بيده وله قدرة عليه من الانتفاع والدفاع، وإلا بالزجر والإقماع، ليخرج من ربقة الرضى بما لا يجوز شرعا”(32) .

وبناء على اقتراح و”طلب” من العالم أبي شعيب الدكالي، أشهد الضالون التائبون عدلين على توبتهم، ورجوعهم عن ما كانوا عليه من غي وأفعال همجية منكرة(33)، فكان العدلان الموثقان لهذه التوبة هما الفقيه محمد بن الحاج الطيب الوزاني ورفيقه علال الريكوش(34)، وقد بلغ عدد التائبين من حمادشة تسعة وثلاثين نفرا(35)، ومما جاء في شهادة توبتهم: “حضر منهم المذكورين بطرته، وأشهدوا وأنهم رجعوا عما كانوا عليه، وتابوا لله تعالى من ذلك، ملتزمين عدم الرجوع لما كانوا عليه، وموجبين على أنفسهم عمارة زاويتهم بالذكر وإقامة الصلاة في أوقاتها وغير ذلك مما يحمد شرعا، وتشكر عاقبته دنيا وأخرى …”(36)؛ أما عدد التائبين من عيساوة فكان ستة وثلاثين نفرا(37)، ومما جاء في توبتهم: “حضر المذكورون بطرته لدى شهيديه، واشهدوا شهادة طوع ورضى، بأنهم تابوا إلى الله تعالى من ذلك، ورجعوا عما كانوا مشتغلين به، سالكين سبيل مرضاته، يعمرون زاويتهم بالذكر وقراءة القرآن وإتمام الصلوات في أوقاتها، وغير ذلك من الأمور التي رغب الشارع فيها وحض عليها، والتزموا أن لا يرجعوا لتلك الأفعال القبيحة والأمور البشيعة …” (38)

وبعد انتقاء أحسن فتاوى العلماء وأبلغها بيانا وحجة، وضمها إلى شهادة التائبين من حمادشة وعيساوة، “ذهب بها عبد ربه الهسكوري، صحبة السيد حمو بن القايد سعيد، ناظر الزاوية الحمدوشية، عند باشا المدينة السيد الحاج الطاهر المقري(39)، وطلبنا منه تسليم ذلك رسميا إلى جلالة الملك محمد الخامس، وخاطبه (الهسكوري) أن يحتفظ بنظائر من الجميع (من الوثائق التي سيتم إرسالها إلى الملك) (40).

ولاشك أن قصد الفقيه الهسكوري وجماعته السلفية في إعلام الملك محمد الخامس بهذا العمل المحمود كان بعيدا في مرماه وأفقه :

1- فهم من جهة يسعون إلى إخبار الملك بما فعلوه، بوصفه أمير المؤمنين والساهر على حماية الدين من كل عبث وزيغ، ولأنهم يبغون من ذلك الحصول على مباركته وتزكية ما قاموا به من معروف مشروع، حتى لا يستنكره ويقذفه مغرض، فينقلب على أهله.

2- وهم من جهة ثانية، يحضون الملك وبطريقة غير مباشرة، على تشجيع صنيعهم المبروك، بحمل غيرهم من علماء الحواضر الأخرى، على أن ينهجوا مسلكهم، ويقتدوا به في تطهير العباد والبلاد من دنس البدع وشرور المناكر .

ولم تكد تمض ثلاث أشهر على هذه المراسلة(41)، حتى ورد على مدينة آسفي خطابان من الصدر الأعظم محمد المقري .

– الأول يحيط نجله باشا آسفي، بوصول كتاب علماء آسفي إلى الحضرة العلية و”معه فتاوى العلماء في شأن الطائفة العيساوية والطائفة الحمدوشية”(42).

– الخطاب الثاني يحمل إخبارا باستحسان محمد الخامس لتوبة الضالين والثناء عليها، ومما جاء فيه: “…وأطلعنا بذلك شريف علم سيدنا، فاستحسن أعزه الله تنبهكم، وسرته إنابتكم ودعا لكم وللجميع بالخير، وأمر دام علاه وتأييده الباشا الحاج الطاهر بشد عضدكم، وزجر من عسى أن يوجد ممن لا خلاق له من أصحاب الطائفتين”(43).

وبموازاة مع هذا الإشعار الوزاري المؤيد، أصدر الملك محمد الخامس ظهيرا يندد بمناكر الطرقية بمجموع المغرب، ويدعوا أولى الأمر إلى منع مظاهراتها وحفلاتها “منعا تاما”(44)، مما بعث البهجة في نفوس الغيورين على الدين والوطن، فبادروا إلى تزيين “الشوارع والأسواق، احتفاء بالقضاء على عهد خرافي، طالما منع العقل المغربي من التطور والنفوذ لعمق الأشياء”(45)، وخدم مآرب المستعمر وخططه في المسخ والتجهيل والتيئيس، وليكون هذا العمل أول خطوة في درب التحرير المغربي، استهدف تحرير العقول قبل تحرير الأبدان .

النشاط الوطني للفقيه الهسكوري

يصف الفقيه محمد الهسكوري جماعته السلفية الأنفة الذكر بأنها كانت “حركة دينية إصلاحية ووطنية”(46)، وهو بهذا التصريح يعدد الأدوار التي قامت بها على الساحة الآسفية والقطرية، ويذكر أنه “ساهم … بكل شيء”(47) في مساندتها، وتوسيع مدى إشعاعها، وذلك “منذ نشأتها الأولى”(48)، وتأسيسها على يد الوطني الكبير محمد البوعمراني “نحو سنة 1944هـ/1926م”(49)، ولم يكن هذا التنظيم يضم في بدايته إلا نخبة محسوبة من علماء المدينة، هم رئيسه محمد البوعمراني وشقيقيه أحمد البوعمراني وعبد السلام المستاري ومحمد بن طالب الفلكي الموقت ومحمد بن الكاهية ومولاي محمد البوعناني وفقيهنا محمد الهسكوري، وبفضل ما بذله الهسكوري من جهود اتسعت دائرة هذه الجماعة “وعظم الجمع وانتشر أمرها”(50)، وفي ذلك يقول فقيهنا: “اتصلت بالفقيه سيدي محمد الكانوني وضممته إلى الجماعة ثم اتصلت بالسيد محمد علان … والفقيه إدريس بن الحاج بناصر…” (51).

ويشهد تاريخ تأسيس هذه الجماعة، على أن مدينة أسفي كانت واحدة من مدن معدودة على رؤوس الأصابع، بكرت بالعمل المناهض الاستعمار، فقد زامن ظهور تنظيم أسفي نشوء تنظيمات صنوة له في الهدف والمسعى، وذلك في فاس على يد علال الفاسي، وفي الرباط على يد أحمد بلافريج وآخرين، وفي تطوان على يد عبدالسلام بنونة، وفي طنجة على يد عبدالله كنون وآخرين(52)؛ وكان محمد البوعمراني على اتصال بالعديد من هذه الجماعات والشخصيات، فقد كان كثير السفر إلى “فاس وسلا والرباط وغيرها من المدن”(53)، وقد أفاد من ذلك فوائد شتى، ومنها “كان يزود الجماعة (الآسفية) بأخبار وأفكار وطنية”(54)، ويستعين بها من تطوير عملها، فأصدر على غرار هذه الجماعات مجلة خطية سماها “الدروس”(55)، كانت كمثيلها في فاس والرباط وسلا(56)، تنشر مقالات ومنقولات من مجلات وصحف تصدر بالشرق العربي(57)،كما كون البوعمراني فرقة للتمثل المسرحي(58)، كانت متأثرة في أعمالها بأنشطة الفرق المسرحية القليلة والمحصورة في بعض المدن، فجارتها في تقديم تمثيليات ذات مغزى إسلامي أو سياسي أو وطني، وساهمت إلى جانب الوسائل الأخرى “في توعية الشباب، وتلقين دروس في الوطنية”(59)، كما زود محمد البوعمراني علماء أسفي بكتب ودوريات سياسية حتى يسمو بوعيهم السياسي والوطني، ويفتح أعينهم جيدا على الواقع الاستعماري ، وعلى ما يغلي به محيطهم العربي والدولي من أحداث وتقلبات، وفي هذا الصدد يقول الفقيه الهسكوري: “… ابتدأ أمر الجماعة بدارسة مجلة الفتح ومجلة الإسلام المصريتين … وكتاب العروة الوثقى بالإضافة إلى كتب أخري مثل طبائع الاستبداد (للكواكبي) … ومقدمة ابن خلدون وتراجم الزعماء”(60)؛ وإذا كان النشاط الغالب للجماعة الأسفية قبل 1930، وهو العمل السلفي الإصلاحي التوجيهي والتقويمي، فإنه يستفاد من إشارات مختلفة للهسكوري، بأن النضال السلفي لم يكن يخلو من مضامين سياسية، لأن محاربة البدع والخرافات وضلال الزوايا هو في الوقت نفسه إشهار للحرب ضد المستعمر، الذي هو مصدر انتشار الكثير من المناكر والأدواء، ثم لأن السلفية كانت الوعاء الأصلي والأول الذي استوعبت الوطنية وشكلها وطبعها بطابعه الديني المنتفض ضد كل ضلال أو فساد أو مس بمقدسات وقيم المغاربة، وهذا ما يؤكده علال الفاسي حين يقر بأن السلفية في المغرب امتزجت بالوطنية، وكان ذلك سببا في إنجاح كل من السلفية والوطنية، بدرجة فاقت ما تحقق حتى بأرض السلفية ومهدها ،بلاد محمد عبده وجمال الدين الأفغاني(61) .

وبصدور الظهير البربري في 16 ماي 1930، انقلبت الجماعة الآسفية كما يقول الهسكوري “إلى حركة سياسية دينية”(62)، وفي هذا الوصف إشارة من فقيهنا، إلى أن تنظيمه أضحى يغلب النشاط السياسي على النشاط الديني، وأنه لم يفتأ يزاوج بينهما، سيما وأن المستعمر كان في كل مخططاته ومؤامراته يستحضر الإسلام كهدف يجب ضربه وبكل قوة، ففي الظهير البربري استهدف المستعمر تمزيق وحدة الأمة المغربية، من خلال النيل من الإسلام، باعتباره ركيزتها ولحمتها، وتقزيم السلطة الدينية والقضائية للسلطان(63)، وفي هذا الوقت حل بآسفي وطنيان كبيران من مدينة سلا، هما سعيد حجي والصديق بلعربي(64)، لتحميس الوطنيين بالمدينة على نهج سبيل مدينتهم سلا، في الاحتجاج على الظهير البربري(65)، بقراءة اللطيف والجهر به في وجه المستعمر، لكن الموقف الوطني بأسفي لم يكن متناغما في صوته، بل توزعته ثلاثة تيارات سياسية :

1 – التيار الأول يرفض كل شكل من أشكال الاحتجاج، خوفا من بطش المستعمر، وضمنه فريق من ذوي المناصب الكبيرة ووظفي إدارة الحماية، ومنهم القاضي ابن العربي الدكالي، الذي رفض الاستجابة للفقيه الكانوني حين دعاه إلى قيادة الناس في قراءة اللطيف بالمسجد الجامع الكبير، بعد أن أدى بهم صلاة الجمعة، ورد عليه قوله: “إنني لم أتلقى أمرا بهذا، ولم تسيء إلي”(66)، وغادر المسجد”قبل الفاتحة”(67).

2- التيار الثاني: يسعى إلى حصر الاحتجاج في زمرة من العلماء ووجهاء المدينة دون المخاطرة باستدراج العامة إلى هذا الأمر، مما قد ينجم عنه انفجار مظاهرات، يستغلها المستعمر المتربص، لاعتقال الوطنيين والإضرار بالعمل الوطني، خاصة وأنه ” لا يفرق بين السياسي واللص” في الاعتبار والمعاملة؛ كما أن هذا التيار يرى “أن المظاهرة مضى وقتها، حيث كان من الواجب القيام بها، قبل إنشاء الظهير وإبرازه لعالم الوجود”، ومن ثم فإن هذا التيار يدعو إلى تكوين وفد من العلماء والأعيان، وتوجيهه إلى السلطان، وإذا تعذر عليه بلوغ المبتغى، فإنه يرفع الأمر إلى البرلمان الفرنسي، مع الحرص على أن تلبس القضية “حلة دينية”(68)، وكان خير معبر عن هذا التيار، هو الوطني المرموق صالح العبدي(69).

3- التيار الثالث، تمثله جماعة الفقيه الهسكوري، التي كانت ترى بأن الاحتجاج يجب أن يكون شعبيا، ويكون علماء أسفي قادته وقدوته في المواجهة والتضحية، وقد كلفت الجماعة الفقيه الكانوني(70)بافتتاح قراءة “اللطيف”(71) بالمسجد الجامع الكبير، وتبعه في ذلك عدد آخر من العلماء ببعض المساجد الأخرى، لتضج آسفي كغيرها من المدن بقراءة اللطيف(72)، وقد حدث ذلك في شهر يوليوز تقريبا، وبالضبط بعد قراءة اللطيف بسلا والرباط وفاس(73)، ليتدخل المستعمر عقب ذلك فاعتقل الكانوني والبوعمراني، و”حكم عليهما بالسجن ثلاثة أشهر سجنا”(74)، ووضع تحت المراقبة كل من المستاري والعوني والبوعناني(75)؛ وقد أصبحت أسفي بموقفها الوطني الجسور إزاء الظهير البربري معقلا وازنا للوطنية، فحج إليها عدد من أقطاب الوطنية في الثلاثينات،كسعيد حجي من سلا، ومحمد الزيدي من الرباط، وعلال الفاسي من فاس؛كما أقام بها الصديق بلعربي الذي كان موظفا بإدارة المالية، وذلك سنة 1933(76)، ونفي إليها محمد بن علال غازي، وعمل بها وكيلا شرعيا بين سنتي1933 و1937(77)، وفي هذه المدة كان هذا الأخير يدعو الناس إلى الوطنية ويعطي “عدة دروس علمية بالمسجد الكبير نهارا وليلا”(78)، وقد زادت هذه الشخصيات من تأجيج الحملة الوطنية بأسفي، وربحت منها جماعة الهسكوري تقاربا في الأفكار والرؤى مع بقية الجماعات الوطنية، بعد أن كانت كل جماعة شبه منغلقة على نفسها، “فلأول مرة تلتقي الجماعات العاملة في المدن حول فكرة واحدة تجهر بها، وكأنها اكتشفت ما كانت تبحث عنه”(79)، حتى إذا تأسس التنظيم السياسي الوطني “الزاوية”، الذي يعد “أول حزب سياسي وطني”(80)، سارع محمد البوعمراني وصاحبه عبدالسلام المستاري إلى الانخراط في مؤسسته “الطائفة”(81)، وذلك ضمن فئة قليلة من الوطنيين” لم يكن عددهم يزيد “عن ستين عضوا”(82)، أكثرهم من فاس والرباط وسلا والقنيطرة والدار البيضاء ومراكش وطنجة(83)؛ وبهذا تدخل الجماعة الوطنية الآسفية معترك الكفاح الوطني من بابه الواسع، وبمداه الوطني، ليتسع حجم وأفق مسؤوليتها النضالية، وتصير حاضرة منذئذ بكافة الجبهات، وبكيفية ملحوظة ومحمودة، ويعرض الفقيه الهسكوري لبغض الأعمال الوطنية الآسفية في جانبها السياسي، مع إشارات متواضعة لبصماته، ومن ذلك :

1-مقاطعة البضائع الفرنسية: دعت الجماعة الوطنية بأسفي وبتنسيق مع الحركة والوطنية المركزية إلى محاربة “البضائع الأجنبية” و”إبدالها بالبضائع الوطنية من منسوجات ومشروبات وغيرها”(84)، وقد ظهرت فكرة مقاطعة البضائع الاستعمارية، إبان المظاهرات المناهضة للظهير البربري، وبإيعاز من الأمير شكيب أرسلان(85)، ورغم أن الوطنيين كانوا يدركون “أنهم بهذه المقاطعة لن يؤثروا على ازدهار الاقتصاد الفرنسي، ولن يستطيعوا عرقلة المد الاستعماري الاقتصادي”(86)، فإنهم كانوا يتوخون من هذا العمل الوطني، إشراك أكبر عدد من المواطنين، بطرق عملية وفي متناول اليد، ومباشرة في مقاومة بعضا من مظاهر الاستعمار؛ وكذا حملهم على الاعتزاز ببعض من رموز هويتهم ووطنيتهم، ومنها لباسهم الوطني الإسلامي والنفور والتجرد من اللباس الأوربي الدخيل، وهذا ما حصل إذا انتشر ارتداء الملابس الوطنية الصوفية، ولم يعد كثير من المواطنين يلبسون معها أية قطعة أجنبية سواء القميص أو الجوارب أو الحذاء(87).

2- تأييد الإصلاحات والإصلاحات المستعجلة: تميزت سنتا 1934 و1936 بحضور بارز وقوي للفعل الوطني الآسفي على الساحة الوطنية المغربية، بمشاركة محمد البوعمراني في تأسيس وبناء كثلة العمل الوطني، وتبوء مقعد رفيع بمجلسها الأعلى، ومساهمته في إعداد وتقديم دفتر الإصلاحات إلى السلطات الحماية في فاتح دجنبر1934، وكذا في إعداد المطالب المستعجلة التي قدمت في 25 أكتوبر 1936(88)، وقد كان لخبر إعلان هذه المطالب ذوي وطني كبير داخل الساحة الوطنية، إذ قابله المغاربة بمظاهرات ومهرجانات تأييد، تجسدت في عرائض ومراقبة مساندة ودعم، وجهت إلى السلطان محمد الخامس وإدارة الحماية؛ ولم تتخلف الجماعة الآسفية عن هذا الفضل، وفي هذا الموضوع يقول الفقيه الهسكوري:”فشاركنا فيها مع الشعب المغربي، وازدادت الوطنية حماسا”(89).

وكانت الحركة الوطنية بخطوها هذه الخطوة الذكية والجريئة، ترمي في آن واحد إلى تنبيه الدولة الحامية إلى ما عليها من التزامات ومسؤوليات في إصلاح أحوال المغاربة، وذلك تطبيقا لما تعهدت به في الفصل الأول عقد الحماية، خصوصا وأن الوجود الفرنسي قد قارب عمره ربع القرن ، ولم ينجز شيئا يذكر.

– إشعار إدارة الحماية، بأن وراء هذه المطالب “حركة وطنية منظمة، منبثة في أنحاء البلاد، لها برنامجها ومطامحها المشروعة”(90).

– الخروج من شرنقة الانغلاق على نفسها “كحزب مغلق”، لتغدو تنظيما وطنيا جماهيريا، مفتوحا على القواعد الشعبية، وقادرا على تحريكها في مناهضة الاستعمار، وتكبيل تجاوزاته ومؤمراته(91) .

– ترصيف طريق الوصول إلى الاستقلال، وذلك بتبني إستراتيجية مضمونها أن تحقيق الإصلاحات يقود إلى تحقيق الاستقلال، إذا يمكن من انتزاع متواتر للحقوق ونشر للوعي الوطني بين المغاربة، ويفضي إلى النهاية إلى الحصول على استقلال سهل ومشروع.

3- التضامن مع الانتفاضات الشعبية بمكناس ومراكش: وفي هذا الموضوع يشير الفقيه الهسكوري إلى تضامن الوطنيين بآسفي مع أهل هاتين المدينتين في انتفاضهم ضد المستعمر سنة 1937 .

– فسكان مكناس واجهوا خطة المستعمر بتحويل مياه وادي بوفكران إلى ضيعات المعمرين بنواحي المدينة، وحرمان المدينة من المياه الشرب، ومن مياه السقي البساتين المحيطة بمدارها؛ وقد نظموا مظاهرات وإضرابات، ودخلوا في مواجهات دامية مع جنود المستعمر، وسقط منهم أربعة عشرا شهيدا أو يزيد، وذلك في يوم 2 شتنبر 1937، وقد شاركت مدينة أسفي المكناسيين في مصابهم، ويذكر الفقيه الهسكوري أنه أقام “صلاة الغائب على أرواح الشهداء بالجامع الكبير” بمعية تلاميذته، وكادت يد المستعمر أن تعتقله لولا رعاية الله التي حفظته، على حد تعبيره، من “كيد المستعمرين”(92) .

– أما مدينة مراكش، فقد شهدت يوم 24 أكتوبر 1937 ثورة للجياع والمتسولين العاطلين، ردا على سياسة النهب والتفقير والإرهاب، التي كان يسلكها الكلاوي باشا المدينة وزبانيته، بدعم كامل من المستعمر، فقد استغل الوطنيون زيارة أحد الوزراء للمدينة، ليدفعوا بجحافل من المتشردين والجياع إلى تطويق الوزير الضيف، ” فأحاطوا بالوزير الفرنسي من كل جانب، فلم يسع رجال الإدارة إلا أن يعملوا على افتكاك الوزير من قبضتهم، بعدما ترك قطعا من ملابسه في أيدي اليائسين، الذين كانوا يشدون عليه بقوة”(93)، وقد أعقب هذا الحدث اعتقال المستعمر لعدد من الوطنيين، لتعلن مجموعة من المدن تضامنها معهم، ومنها مدينة أسفي، التي زادت على ذلك بمساندة “صناع مراكش” في مطالبهم ضد القهر والاحتكار والتفقير(94).

4- التوقيع على العريضة الرسمية لوثيقة المطالبة بالاستقلال : يروي الفقيه الهسكوري بشأن هذا الحدث العظيم، أخبارا قيمة على الرغم من إيجازه في ذكر مجرياتها، يعزان نجد لها نظيرا في مصادر أخرى، فيذكر الهسكوري بهذا الخصوص أن الجماعة الوطنية بآسفي، وضمنها فقيهنا توصلت في يناير 1944 من القادة المركزيين للحركة الوطنية “بمناشير تشرح أعمال ونوايا فرنسا منذ 30 مارس 1912″(95)، أي منذ توقيع معاهدة الحماية، ولا يستبعد أن يكون مضمون هذه المناشير يردد نفس الحقائق والأفكار والخلاصات، التي تصدرت وثيقة المطالبة بالاستقلال وحوتها ديباجتها، ولا سيما منها تلك التي تشدد على أن فرنسا أخلت بما التزمت به من إصلاحات، وبدلت نظام الحماية بنظام مبني على الحكم المباشر والاستبداد، بستحوذ على مقاليد الحكم، ويحتكر خيرات المغرب دون أصحابه، ويسعى بكل الوسائل إلى تحطيم وحدة البلاد، ومنع المغاربة من المشاركة في تسيير شؤون بلادهم، وحرمانهم من الحريات الخاصة والعامة(96) .

وكانت الحركة الوطنية تروم من توزيع هذه المناشير “التبشير بفكرة الاستقلال بين أفراد الشعب … واستعادة روح التضحية في المناضلين، ليكونوا سندا لفكرة المطالبة الاستقلال”(97)، ولأنها تتوق إلى تعبئة شعبية تزيد في حجمها وثقلها عما درجت عليه في مناسبات وطنية سابقة، استعداد ليوم الحسم، وتوقعا لرد فعل قوي من جانب المستعمر، الذي لن يدع مرور هذه الخطوة دون عقاب وتنكيل بصانعيها من الوطنيين .

ويفهم من إشارات الهسكوري أن المناشير كانت فيها دعوة صريحة إلى الاستقلال، وإلا بماذا يفسر تهافت الناس على توقيع عرائض التأييد ؟ وقد يكون فقيهنا واحد من عدد من الوطنيين، كلفوا بتحصيل هذه العرائض، يذكر أنه قضى في ذلك “ثلاثة أيام”(98)، لتتسارع الأحداث لحاقا، وتكلف الحركة الوطنية الهسكوري بمهمة أخرى أكثر خطورة ، وعنها يقول: “في نفس الظرف توصيل عبد ربه برسالة من الأخ السيد محمد الباعمراني (البوعمراني) من البيضاء، يطلب مني أن أجمع المخلصين من سكان المدينة بمنزلي، وأقترح عالمين منهم، يوقعان على العريضة الخاصة”(99)، أي التي ستقدم إلى جهات رسمية .

وبينما كان الهسكوري مشتغلا بتدبير الأمر المطلوب، في اجتماع بمنزله مع صفوة من الوطنيين، إذا فاجأهم البوعمراني يحضوره، وانتصب في المجتمعين خطيبا : “أيها الإخوان، لئن كنا ضيعنا مناسبة مواتيه بالأمس للمطالبة بالاستقلال بلادنا … فها نحن اليوم أمام ظروف أخرى، ينبغي ألا تفوتنا، يجب أن نعتمد على الله تعالى، ونستدرك مافات”(100) .

إن خطاب محمد البوعمراني كان مركزا وفي نفس الوقت بليغا وحكيما، فهو يشي بأن ظروفا قد جدت، وهو في ذلك يلمح إلى الظروف الدولية التي تغيرت كثيرا بفعل الحرب العالمية الثانية، فأفرزت أفكارا سياسية جديدة، تنزع إلى تحرير الشعوب المستعمرة؛ وقد يعني أيضا الظروف المحلية، التي تختزلها المواقف التصعيدية للملك محمد الخامس في مواجهة الإدارة الحماية الفرنسية، حتى أصبح يدفع بالوطنيين إلى الجهر بطلب الاستقلال، في غير موازية أو لف دوران، وشاركهم بعد ذلك في صياغة وثيقة المطالبة الاستقلال، “فقرة فقرة وجملة جملة ولفظة لفظة، أثناء جلسات طويلة(101)، واتفق معهم “على الطريقة واليوم والساعة، التي تقدم فيها … عريضة الاستقلال”(102).

ويستمر الفقيه الهسكوري في وصف هذا اللقاء المهيب، فيذكر أن أحد الحاضرين عاجل البوعمراني بسؤال كبير، له وجاهته دلالته، مستفسرا : هل أمريكا تؤيد مطالبنا ؟، فأجابه البوعمراني، وهو يقصد الجميع : “معتمدون على الله تعالى، من أراد أن يوقع على العريضة فلينتظر إما النصر أو الفوز المبين، وإما الاعتقال والنفي أو الموت في سبيل الله تعالى، فقال السيد المستاري(103) أنا لها كيفما كان الأمر، وساد الصمت المكان”(104)؛ لعل المواطن الآسفي السائل يدرك وآخرون من الوطنيين خطورة هذه الخطوة، وحاجتها إلى أكثر من تأييد شعبي، فهي في تقديره تحتاج أيضا إلى صوت أقوى، يكون لنبراته تأثير في المستعمر، يكون من دولة عظمى مؤيدة لتحرير الشعوب كالولايات المتحدة، وذلك لاعتبارات كانت تجول برأسه :

– أن الحرب العالمية الثانية أظهرت الولايات المتحدة الأمريكية بمظهر دولة قوية، مرهوبة الجانب، ومرشحة لأن تتحكم في قيادة مصير العالم على كافة الأصعدة.

– لأن هذه الدولة هي التي صاغت بالفعل بنود الميثاق الأطلسي ، وهي التي روجت من خلالها لفكرة ضرورة تحرير الشعوب المستعمرة ، وإرجاع حقوقها التي انتزعت منها بالقوة.

– لأن هذه الدولة، أعطت للملك محمد الخامس قبل سنة، وفي مؤتمر أنفا

ويضيف الهسكوري في شهادته القيمة والأمينة، أن البوعمراني أخبر الحاضرين بترشح محمد بلخضير(106)، لتوقيع العريضة الرسمية للمطالبة بالاستقلال، وعلق فقيهنا على هذا الخبر بذكاء وانشراح، قائلا : “الحمد لله الذي لم يضيع أسفي في هذا الفضل، إن السيد المستاري سيمثل علماء الدين والسيد بلخضير سيمثل علماء العصر الجديد، أما عبد ربه محمد الهسكوري، فقد سبق للكثير من الإخوان، أن أمروه بعدم التوقيع، حفاظا على مهمته في التعليم، التي كان يقوم بها”(108)، وبعد ذلك اجتمع كل من المستاري وبلخضير بمنزل الوطني المعروف أحمد عثمان بندلة، وفيه تم التوقيع على عريضة المطالبة الاستقلال بمعية نخبة من الوطنيين، جاءوا من المغرب الجنوبي.

وللحقيقة فإن عدد الوطنيين الآسفيين، الذين أثبتوا توقيعهم بالعريضة المذكورة، كانوا ثلاثة وهم البوعمراني والمستاري وبلخضير، وهم من أبرز علماء أسفي ووطنييها، وكادت المدينة أن تجود بموقع رابع هو فقيهنا الهسكوري، لولا منعه من قبل وطنييها، الذين آثروا أن يجندوه في جبهة أخرى، لا تقل أهمية وتضحية من جبهة النضال السياسي؛ وهذا العدد من الموقعين يعتبر بكل المقاييس رقما كبيرا ووزانا ورامزا، إذا قورن بحجم ساكنة أسفي يومئذ(109)، ومقارنة بعطاء مدن كبرى(110)، وتلكم مفخرة وطنية نؤشر عليها حتى يبصرها المبصرون .

5- الابتهاج والاحتفاء بزيارة الملك لأسفي : في يوم 29 مارس من سنة 1945، حل الملك محمد الخامس بأسفي في زيارة رسمية، وكأني به جاء ليبارك جهود هذه المدينة المناضلة، ويحثها على المزيد من البذل والتضحية لمواجهة مرحلة الفصل القريبة، وقد خصها الوطني الأسفي الكبير الفقيه محمد السرغيني بوصف دقيق، مفعم بالعواطف الجياشة في مخطوط فريد، نعتمده في بيان جلال هذه المناسبة، فقد لبست مدينة آسفي مظاهر مختلفة من الزينة والفرحة حتى صارت “كأنها عروس تحلت ليلة زفافها في أبهى حلالها”، واحتشدت جموع السكان على الطريق المخصص لمرور الموكب الملكي، وكان يوجد بينهم الشباب الوطني، الذين “تميز مكانهم … بكثرة الأعلام المغربية … وبترديدهم للأناشيد الرائقة، التي تناسب المقام والمحتفل به، وعند ختم كل أنشودة، تتعالى أصواتهم في طبقات الأجواء : يحي الملك يحي المغرب يحي المغاربة”. وعند منتصف النهار وصل الموكب الملكي، ودخل إلى المدينة و”ما كاد سيدنا الملك يطأ أرض هذه البلدة السعيدة، حتى تعالت هتافات الجماهير المحتشدة، وذوت في الأجواء الأناشيد …. وتعالت زغاريد النساء …”، وبعد أن هلل لمقدم جلالته كبار المسؤولين والعلماء والأعيان، اقترب محمد الخامس من الجماهير، “فأحاطت به … إحاطة السوار بالمعصم، وكادت تتخطفه من مقامه لولا أن دخل سيارته”، وبعد تحية شعبه زار الملك المدرسة العربية الفرنسية، التي تحمل اسم والده مولاي يوسف، ثم عرج إلى مدرسة البنات المعلمات، ليقصد الملجأ الخيري ويصله بإعانة مالية كبيرة “نحو خمسين ألف فرنك”، ومثلها خص بها الكتاتيب القرآنية؛ وفي نهاية زيارته “قصد دار الباشا، حيث تغذى مولانا الملك وبعض حاشيته، وبعد الفراغ من ذلك، بدأت طوائف الشرفاء والعلماء وأصحاب مختلف المهن تدخل لمقابلة ملكها المكرم وسلطانها المحبوب”، وكان جلالته “يدعو لهم ويبشرهم بمستقبل زاهر”(113)؛ وذكر لي نجل الفقيه الهسكوري، أن فقيهنا نظم بهذه المناسبة عدة قصائد في شخص الملك محمد الخامس، ويرجح أن هذه القصيدة قرئت في حضرة جلالته، من طرف أحد تلاميذته، وفيها يقول الهسكوري :

قد توالت البشارة مذ سمعنا بالزيارة

وبدا النور يلوح وغدا المسك يفوح

ولسان الحال قال مرحبا تحيا الجلالة

مرحبا أهلا وسهلا ببدور تتـلألأ

تحفة الملك محمد حلية العرش الممجد

قد أتينا للقاكم لنجزي برضاكم

سامعين طائعين لأمير المؤمنين

حامدين شاكرين وللعرش مخلصيـن

أسفي حجا تطول وعلى الغير تصول

كيف لا؟وهي تنادي حل في أرضنا الهادي

تحفة الملك محمد حلية العرش الممجد

أيد الله ملكه وجعل النصر حلفه

لك منا يا إمام تحية وسلام

يشمل الأنجال طرا ويديم لهم فخرا

ولي العهد المعظم وبه حقا وأثمن

حسن الخلق والخلق سامعين طائعين ينعرف بالحق(114)

6 -قطع الطريق على دعاية الكتاني بأسفي: أصبح الملك محمد الخامس بعد سنة 1944 يمثل عقبة كأداء في وجه المخططات الاستعمارية، بل أصبح يمثل تهديدا حقيقيا للوجود الاستعماري بالمغرب، إذ لم يعد يرغب في أي شيء غير استقلال المغرب، على حد قول المقيم الفرنسي غيوم، وتبعا لهذا الموقف، أخذت فرنسا تخطط لعزل محمد الخامس، وتوسلت في ذلك بباشا مراكش التهامي الكلاوي وشيخ الطريقة الكتانية بفاس عبد الحي الكتاني، فطفق الأول يحرض موظفي المخزن على شق عصا الطاعة والولاء للملك محمد الخامس، واتجه الثاني إلى تحريض الزوايا على التنديد بالملك المذكور وخلع طاعته، زاعمين معا أن محمد الخامس جانب الطريق الدين، بوقوعه تحت تأثير الوطنيين، وأنه يجب عزله وإسناد أمر المغاربة لمن يستحقه، ليشرع المستعمر في ترتيب الفصل الأخير من هذه المؤامرة، أولا بتجريد محمد الخامس من سلطته الدينية في يوم 13 غشت من سنة 1953،وتنصيب المدعو ابن عرفة إماما بعد يومين، وثانيا بنفي الملك محمد الخامس وإحلال ابن عرفة محله كسلطان للمغرب في 20 غشت(115) .

ويفهم من الفقيه الهسكوري أن سموم هذه المؤامرة نفذت إلى آسفي، وقد ابتلعها بعض من أتباع الزاوية الدرقاوية بالمدينة، وصاروا يدعون “أنهم يمثلون كذا وكذا من درقاوة، وأنهم يناصرون فرنسا وملكها ابن عرفة”، وقد أسرع الهسكوري بالتدخل لدى هذه الطائفة لقطع طريق على هؤلاء الخونة المضلين، وطلب من “فقراء الدرقاويين الأسفيين أن يكتبوا عريضة ويوقعوا عليها”، تنبذ ما يروجه هؤلاء المرتدون، ويقول الهسكوري “كنت من أول الموقعين عليها”، ولم يكتف بذلك بل شارك علماء المدينة في التوقيع على عرائض”ضد الرجعيين، مثل الباشا الكلاوي”، ومنها عرائض يقول الهسكوري: “سلمناها بيدنا إلى جلالة المغفور له محمد الخامس، وذلك قرب نفي جلالته والأسرة المالكة”(116)، وبعد نفي الملك الشرعي محمد الخامس عبر الهسكوري عن رفضه الصارخ لفعلة المستعمر، وفي ذلك يقول: “كنت أول من تأخر عن خطبة الجمعة، بجامع الشيخ ببياضة، رغم التهديد والوعيد من طرف بعض المسؤولين، فلم التفت إليهم ولا لآرائهم”(117) .

وتشي بعض الشوارد المنتشرة بين الناس، ومن بينهم بعض الثقاة، أن الفقيه الهسكوري كانت له اتصالات قريبة من المقاومة المسلحة، التي انفجرت بالمدينة غداة نفي الملك محمد الخامس، والثابت الأكيد أن فقيهنا كانت له علاقات وثيقة ببعض رجالالتها(118)، وأنه كان وفي سرية تامة يمد أسر معتقليها بمعونات مالية سخية )) 119.

رابط مختصر

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات