

بقلم حسن السعدوني ** يشكل تعيين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، للحكومة الجديدة برئاسة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري محطة سياسية تفتح باب الأمل، وتضع في الوقت نفسه الأحزاب والمؤسسات أمام مسؤولية كبيرة. فالمغاربة ينتظرون أن تنعكس هذه البداية على حياتهم اليومية: في العمل والدخل والعلاج والتعليم، وفي الشعور بأن بلدهم يتقدم وأن لهم نصيباً عادلاً من هذا التقدم.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ستنجح الحكومة الجديدة في تحويل انتظارات المواطنين إلى نتائج ملموسة؟ وهل ستتمكن الأحزاب من تجاوز منطق اقتسام المسؤوليات إلى بناء فريق قادر على تدبير التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي يعيشها المغرب والعالم؟
إن البداية المسؤولة تقتضي منح الحكومة فرصة العمل، مع إخضاعها منذ اليوم الأول للمساءلة. فلا الإنصاف يسمح بالحكم عليها بالفشل قبل أن تبدأ، ولا المصلحة العامة تسمح بمنحها شيكاً على بياض.
الأحزاب أمام مسؤوليتها في إعداد الكفاءات
تطرح كل عملية لتشكيل حكومة سؤالاً يتجاوز أسماء الوزراء: ماذا أنتجت الأحزاب من كفاءات خلال السنوات الماضية؟ وأين هي الأطر التي أعدتها لتدبير الصحة والتعليم والطاقة والصناعة والفلاحة والصيد البحري والاقتصاد الرقمي؟
الحزب السياسي مطالب بأن يكون فضاءً للتكوين والنقاش وإنتاج الحلول طوال السنة. وقيمته تظهر في قدرته على فهم المجتمع، وتأطير المواطنين، واستقطاب الخبرات، وصياغة بدائل قابلة للتنفيذ.
وحين ينحصر النقاش في الأسماء نفسها، أو تصبح العلاقة بالقيادة أهم من الخبرة والعمل الميداني، فمن المشروع التساؤل عن فعالية التجديد داخل الأحزاب. لكن هذا التساؤل يحتاج إلى معايير واضحة: مسار المسؤول، وإنجازاته، ونزاهته، وقدرته على قيادة فريق، ومدى ملاءمة خبرته للقطاع الذي يتولى مسؤوليته.
كما أن تجديد النخب لا يعني إقصاء أصحاب التجربة لمجرد طول حضورهم، ولا تعيين الشباب لمجرد صغر سنهم. المطلوب هو جمع الخبرة والقدرة على الابتكار، وفتح مسار منصف أمام من يستحق المسؤولية.
القرابة والولاء ومعيار الاستحقاق
من حق المواطن أن يقلق حين يشعر بأن فرص الوصول إلى المسؤولية تمر عبر العلاقات العائلية أو دوائر القرب. فهذا الشعور يضعف الثقة، ويجعل شباباً مؤهلين يعتقدون أن الاجتهاد وحده لا يكفي للتقدم.
ومع ذلك، فإن القرابة وحدها لا تثبت غياب الكفاءة، كما أن الاسم العائلي لا يمنح صاحبه حقاً إضافياً في المنصب. الميزان العادل هو تكافؤ الفرص، وشفافية الاختيار، ومنع تضارب المصالح، والمحاسبة على النتائج.
لذلك، ينبغي أن تعلن الأحزاب معايير ترشيحها للمسؤوليات، وأن تفسر اختياراتها للرأي العام. ومن المفيد أن يعرف المواطن لماذا اقترح هذا الشخص لقطاع معين، وما الخبرة التي يحملها، وما الالتزامات التي سيتحملها.
المشكلة تبدأ عندما تتحول المؤسسة الحزبية إلى دائرة مغلقة، ويصبح الانضباط للأشخاص طريقاً أسرع من خدمة المجتمع. وإصلاح هذا الخلل يقتضي ديمقراطية داخلية فعلية، وتداولاً على القيادة، ومساحة آمنة للاختلاف والنقد.
الكفاءات موجودة، والمطلوب فتح الأبواب أمامها
يزخر المغرب بكفاءات في الجامعات والمقاولات والإدارة والمهن الحرة والمجتمع المدني، وبخبرات مهمة لدى مغاربة العالم. والتحدي هو بناء جسور منتظمة بينها وبين القرار العمومي.
يمكن للأحزاب أن تؤسس لجاناً قطاعية تعمل باستمرار، وأن تفتح نقاشاتها للباحثين والمهنيين، وأن تربط مقترحاتها بالواقع المحلي. ويمكن للحكومة أن تستفيد من خبرات خارج الانتماءات الحزبية، ضمن مسؤوليات واضحة وقواعد للنزاهة والتقييم.
فالوزير يحتاج إلى معرفة قطاعه، وإلى قدرة سياسية وتدبيرية على اتخاذ القرار والتنسيق والتواصل وتحمل المسؤولية. كما يحتاج إلى إدارة مؤهلة وفرق قادرة على التنفيذ. وأي حديث عن الكفاءة يبقى ناقصاً إذا توقف عند قمة الوزارة وأهمل المستشفى والمدرسة والمصلحة الإدارية والمصالح الترابية.
تحسين المعيشة هو الامتحان الأول
يقيس المواطن أثر السياسات بما يستطيع شراءه بأجره أو معاشه، وبما يبقى له بعد مصاريف الغذاء والسكن والنقل والعلاج وتعليم الأبناء.
لذلك، ينبغي أن تتصدر القدرة الشرائية أولويات الحكومة، من خلال حماية المنافسة، والتصدي للممارسات غير المشروعة، وتحسين فعالية سلاسل التوزيع، وتقوية الإنتاج الوطني. كما تحتاج الأسر الأكثر هشاشة إلى دعم يصل إليها بوضوح وانتظام، وفق معايير منصفة.
وفي المقابل، تتطلب حماية الدخل خلق اقتصاد منتج وفرص عمل مستقرة. فالزيادات التي تلتهمها الأسعار سريعاً لا تحقق الأمان الذي تنتظره الأسر. والمطلوب سياسة تربط الأجور والإنتاجية والحماية الاجتماعية، مع مراعاة استمرارية المقاولات وقدرتها على التشغيل.
الشغل يبدأ من الاستثمار المنتج
ينتظر الشباب فرصاً تمنحهم الاستقلال والكرامة وإمكانية بناء أسرة. وهذا يفرض جعل التشغيل نتيجة مركزية للسياسات الاقتصادية، تقاس بجودة الوظائف واستمرارها وتوزيعها بين الجهات.
وتحتاج المقاولات الصغيرة والمتوسطة إلى إدارة أسرع، وتمويل أنسب، وآجال أداء محترمة، وولوج أكثر إنصافاً إلى الصفقات والأسواق. كما يحتاج المستثمر إلى وضوح القواعد واستقرارها، وإلى عقار مجهز وتكوين يلائم حاجاته.
ومن الضروري توجيه الاستثمار نحو الصناعة والتحويل الغذائي والاقتصاد البحري والطاقات المتجددة والسياحة المستدامة والخدمات الرقمية. وتكتسب هذه القطاعات قيمتها حين تخلق سلاسل إنتاج محلية، وتمنح المقاولة المغربية فرصة النمو، وتحتفظ داخل البلاد بجزء أكبر من القيمة المضافة.
الصحة والتعليم أساس الثقة في الدولة
ينتظر المواطن أن يجد في المستشفى العمومي استقبالاً يحفظ كرامته، وطبيباً متاحاً، ودواءً وفحصاً وموعداً في أجل معقول. ويحتاج إصلاح الصحة إلى موارد بشرية وتجهيز وصيانة وتدبير، مع عناية خاصة بالمناطق البعيدة.
وتوسيع التغطية الصحية ينبغي أن يواكبه تحسين فعلي لعرض العلاج، حتى يتمكن المستفيد من استعمال حقه دون أعباء تفوق قدرته.
وفي التعليم، يحتاج المغرب إلى مدرسة عمومية تمنح أبناء مختلف الفئات فرصة حقيقية للتعلم والترقي الاجتماعي. ويبدأ ذلك من التمكن من القراءة والحساب واللغات، وتكوين المدرسين ودعمهم، ومواجهة الهدر المدرسي، وربط التكوين المهني والجامعي بتحولات الاقتصاد.
إن الاستثمار في الطفل والشاب هو ما سيحدد موقع المغرب بعد عشرين سنة، وقدرته على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا، وتكوين مواطن قادر على التفكير والمبادرة.
التنمية يجب أن تصل إلى مختلف المجالات الترابية
ينبغي أن يشعر سكان المدن المتوسطة والقرى بأنهم حاضرون في الاختيارات الوطنية. فالفوارق في الماء والصحة والتعليم والنقل وفرص الاستثمار تؤثر في الثقة وفي قدرة الأسر على الاستقرار في مجالاتها الأصلية.
وفي آسفي، مثلاً، يمكن أن تترجم هذه الرؤية إلى تأهيل البنية التحتية، وتشجيع الاستثمار الصناعي والسياحي، وربط التكوين بحاجات المقاولات، وتطوير الصناعة البحرية.
ومن المشاريع الجديرة بالدراسة بناء تجمع صناعي متخصص في تحويل وتثمين المنتجات البحرية، تدعمه خدمات التبريد والبحث والتكوين والنجاعة الطاقية. لكن نجاحه يستلزم احترام استدامة الثروة السمكية، وتحسين ظروف البحارة والعاملات والعمال، وتقوية التنافسية البيئية للمقاولات.
فالتنمية المحلية تحتاج إلى مشاريع مترابطة ومسؤوليات محددة وتمويل واقعي، وإلى حوار يشرك المهنيين والجماعات والجامعات والمجتمع المدني.
حضور دولي تدعمه قوة الاقتصاد والمجتمع
يتطلع المغاربة إلى بلد يحظى بالاحترام، ويدافع بثبات عن مصالحه ووحدته الترابية، ويوسع شراكاته ويستقطب الاستثمار والمعرفة.
وتزداد قوة هذا الحضور عندما يستند إلى اقتصاد متنوع، ومؤسسات موثوقة، ومدرسة جيدة، وقدرة على الابتكار والإنتاج. كما يمكن للمقاولات والجامعات والكفاءات المغربية بالخارج أن تسهم في تعميق التعاون الإفريقي والدولي.
وتتيح التظاهرات الكبرى فرصة لتطوير البنية التحتية وتنشيط الاقتصاد، شريطة أن تترك منفعة دائمة للسكان، وأن تصل آثارها إلى المقاولات المحلية والتشغيل والخدمات. فنجاحها يقاس أيضاً بما يبقى للمواطن بعد انتهائها.
من الوعود إلى تعاقد قابل للمحاسبة
تحتاج الحكومة الجديدة إلى تقديم برنامج يوضح الأولويات والكلفة والتمويل والآجال والجهات المسؤولة عن التنفيذ. وينبغي أن تميز منذ البداية بين الإجراءات العاجلة والإصلاحات التي تحتاج إلى سنوات.
ومن الضروري نشر حصيلة دورية بلغة مفهومة، تشرح ما تحقق وما تعثر وأسباب التعثر. ويجب أن تشمل المتابعة مؤشرات قريبة من حياة الناس، مثل فرص الشغل المستقرة، وآجال العلاج، وجودة التعلم، وتنفيذ المشاريع في مختلف الأقاليم.
كما تقع على البرلمان والمعارضة والإعلام والمجتمع المدني مسؤولية رقابة جادة، تقدم النقد الموثق والبدائل، وتحافظ على النقاش حول المصلحة العامة.
المغاربة ينتظرون حكومة تصغي إليهم وتصارحهم وتعمل بجدية. وينتظرون أحزاباً تفتح أبوابها للكفاءات، وتمنح الشباب والنساء فرصة فعلية للمشاركة في القرار، وتضع الاستحقاق فوق العلاقات.
والحكم على هذه المرحلة سيتحدد بقدرة المواطن على العيش بكرامة، وبثقة الشاب في مستقبله، وبشعور مختلف مناطق المغرب بأنها شريكة في التقدم. تلك هي المسؤولية التي تمنح التعيين معناه العملي، وتجعل الأمل قابلاً للتحقق.
المصدر : https://www.safinow.com/?p=24095


عذراً التعليقات مغلقة