قراءة أولية في الهندسة الحكومية لقطاع التربية والتكوين في حكومة المنصوري.

قراءة أولية في الهندسة الحكومية لقطاع التربية والتكوين في حكومة المنصوري.

-أسفي الأن
2026-10-19T11:50:38+01:00
اراء بلاقيود
-أسفي الأن19 أكتوبر 2026آخر تحديث : الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 11:50 صباحًا
قراءة أولية في الهندسة الحكومية لقطاع التربية والتكوين في حكومة المنصوري.
WhatsApp Image 2026 10 18 at 13.50.42 -
حسن عديلي: فاعل تربوي *** تكشف الهندسة الحكومية بشكل أو بآخر عن رؤية الحكومة وتصورها للسياسات العمومية التي ستتبناها في تدبير قطاعاتها الوزارية، كما تؤشر في الآن ذاته إن كانت تلك الهيكلة قد استحضرت المصالح الاستراتيجية للدولة والمجتمع، أم أنها بقيت رهينة الترضيات والمحاصصة الحزبية.
قطاع التربية والتكوين لا يشد عن هذه القاعدة، فتسمية الوزارة، والأدوار التي أوكلت لها، والوزارات المنتدبة لديها، كلها خيارات تعكس رؤية الحكومة لهذا القطاع الحساس والخلفيات التي ستحكمه على امتداد الولاية الحكومية. وفيما يلي قراءة أولية في الهيكلة التي تم إقرارها في مجال التربية والتكوين:
1- تغييب خيار “المنظومة” وتكريس خيار القطيعة
يكمن الخلل الأول في هذه الهندسة في تغييب خيار “المنظومة” كخيار ناظم وموجه للإصلاح، والاستمرار في تبني خيار القطيعة بين المكونات الثلاث للمنظومة، كما أوردتها الرؤية الاستراتيجية 2030- 2015 والقانون الإطار 51.17 (التربية الوطنية – التعليم العالي والبحث العلمي – التكوين المهني )، وهو خيار يكرس منطق الفصل الوظيفي بين تلك المكونات، ضدا على ما جاءت به الرؤية والقانون الإطار. لقد كان من الحصافة الحفاظ على مبدأ الإشراف الوزاري الكامل على المنظومة، لما يحققه ذلك من ضمان الانسجام والتكامل بين أجزاء المنظومة ومكوناتها، دون ان يمنع ذلك من تفويض تدبير بعض المكونات إلى وزراء منتدبين إذا لزم الأمر ذلك، فهذا الخيار هو ما يضمن العمل وفق رؤية استراتيجية منسجمة، غير أن خيار الحكومة الجديدة كرس للأسف الشديد استمرار منطق التدبير المنفصل الذي يدار فيه كل قطاع بمعزل عن القطاع الآخر، في منظومة يفترض فيها تكريس سلاسة الانتقال والتكامل الأفقي والعمودي بين مختلف المراحل والجسور والأسلاك؛
2- التكوين المهني: إقحام بلا أفق واضح”
تبدو عودة التكوين المهني إلى حضن الوزارة عودة شاردة ودون أفق واضح، والراجح أن هذه العودة لم تستصحب مبدأ “وحدة المنظومة”، وإلا لكان مكون التعليم العالي والبحث العلمي جزءا من هذه التركيبة، كما يستبعد أن تكون أحزاب الأغلبية قد استحضرت تجربة المسارات المهنية التي لم يكتب لها النجاح في التعليم المدرسي، سواء في السلك الإعدادي أو التأهيلي، وقد انتهت كما هو معلوم بإقبار خيار البكالوريا المهنية، لذا يحق لنا أن نتساءل عن ماهية التكوين المهني الذي يقصده مهندسو الهندسة الحكومية؟ ومما يزيد الأمر غموضا إقحام مصطلح “التأهيل” في التسمية الجديدة للوازرة مقترنا بالتكوين المهني، ولا ندري أيقصد به التأهيل المعرفي للتلاميذ؟ أم التأهيل المهني للموارد البشرية؟ أم تأهيل البنيات المدرسية؟ أم إن التأهيل المقصود هو ذلك النمط من أنماط التكوين المهني الذي تتبناه مؤسسات التكوين التابعة لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، والتي لم تخضع في يوم من الأيام للوزارة؟ والأكيد أن التساؤلات المرتبطة بالتكوين المهني لن تبقى معلقة، فالملامح الأولى للإجابة ستظهر مع تقديم البرنامج الحكومي، الذي سيكشف إن كان هناك أي فائدة ترجى من خيار الجمع بين التربية الوطنية والتكوين المهني، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون قفزة في المجهول كما كان عليه الأمر دائما.
3- فصل قطاع الرياضة عن التربية الوطنية: تصحيح لخطأ ما كان ليكون.
شكل إقحام قطاع الرياضة في هيكلة وزارة التربية الوطنية إبان حكومة أخنوش خطأ فادحا، فقد اعتبرناه في حينه قرارا دون معنى ودون أي أثر في واقع التربية والتكوين، خاصة أن المقصود حينها لم يكن الرياضة المدرسية كما هي متعارف عليها في السياق المدرسي، وإنما الرياضة الاحترافية التي تشرف عليها هيئات أخرى خارج الوزارة، فكما لم يقف الفاعلون التربويون على أي مجهودات للوزارة لتطوير الرياضة المدرسية، لم يلمسوا في الآن ذاته أي إشراف مباشر للوزارة على قطاع الرياضة بمعناها الاحترافي، سواء في عهد الوزير شكيب بنموسى أو في عهد خلفه محمد برادة، وأقصى ما قام به الرجلان طيلة الولاية الحكومية هو الحضور البروتوكولي في بعض المنافسات الرياضية إلى جانب من يمسكون بزمام الرياضة في هذا البلد، لذا نعتبر أن استبعاد قطاع الرياضة من الهيكلة الجديدة للوزارة هو في الحقيقة تصحيح لخطأ ما كان ليكون أصلا؛
4- التنصيص على التعليم الأولي في تسمية الوزارة: قصور في استيعاب القانون الإطار 51.17
قد يرى البعض في الإصرار على إدراج التعليم الأولي في تسمية الوزارة، كما فعلت الحكومة السابقة، اهتماما خاصا بهذه المرحلة الأساسية في المسار الدراسي للتلميذ، غير أن هذا التوجه قد يخفي من جهة أخرى نوعا من القراءة المجتزأة لموضوع التعليم الأولي، خاصة فيما يتعلق بالتأطير القانوني، فالقانون الإطار 51.17 ينص صراحة على أن التعليم الأولي جزء لا يتجزأ من التعليم المدرسي، ويشكل إلى جانب التعليم الابتدائي سلكا واحدا وهو “السلك الابتدائي”، فحسب المادة 8: «يشتمل التعليم المدرسي على التعليم الأولي، والتعليم الابتدائي، والتعليم الإعدادي، والتعليم الثانوي التأهيلي، ويعاد تنظيمه وفق ما يلي: إرساء التعليم الأولي وفتحه في وجه جميع الأطفال المتراوحة أعمارهم ما بين أربع وست سنوات والشروع في دمجه تدريجيا في التعليم الابتدائي في أجل ثلاث سنوات، ويشكلان معا “سلك التعليم الابتدائي”.
وعليه، فإن التنصيص على التعليم الأولي في تسمية الوزارة هو من باب السماء فوقنا كما يقول المثل، وإفراده دون غيره من مكونات المنظومة وأسلاكها يعكس قصورا في تمثل النصوص التشريعية المؤطرة، ويغذي الفصل الصوري بين مرحلتين يفترض أنهما تشكلان بنية تعليمية واحدة ومتصلة، ولو أردنا تجاوزا مجاراة هذه السطحية في التعامل مع المفاهيم والمصطلحات القانونية، لجاز لنا أن نفصل في تسمية الوزارة تفصيلا، فنحيل على جميع مسؤولياتها، ولصارت التسمية “وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والتعليم الابتدائي والتعليم الثانوي الإعدادي والتعليم الثانوي التأهيلي والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي…” وهذا ما لا يستسيغه عاقل؛
5- إستحداث وزارة منتدبة في التعليم الأولي: سؤال الانتساب الإداري للأطر التربوية
إن استحداث وزارة منتدبة في التعليم الأولي والهدر المدرسي يضع الوزارة ومعها الحكومة أمام استحقاق اجتماعي وإداري لا مفر منه، يتعلق بالانتساب الإداري للأطر التربوية العاملة في مجال التعليم الأولي، والتي لن يعود هناك أي مسوغ قانوني أو إداري لاستمرار تبعيتها لأية جمعية أو مؤسسة مدنية، إذ من غير المنطقي أن يدبر وزير قطاعا يشغل آلاف الأطر التربوية دون أن تكون له سلطة الإشراف المباشر عليه، وهنا يبرز التحدي الذي سيواجهه الوزير الجديد، الذي سبق أن صرح في إحدى خرجاته الإعلامية قبل الانتخابات أنه مقتنع بفكرة الاعتماد على جمعيات المجتمع المدني لتعميم التعليم الأولي! فكيف لقطاع سيدبره وزير منتدب لدى وزير يتحمل واحدة من أهم الحقائب الوزارية أن يظلا معا متفرجين على موارد بشرية تدبر من أطراف خارج الوزارة؟
6- ثنائية التعليم الأولي والهدر المدرسي: اختزال سطحي لظاهرة معقدة
الراجح أن المسؤولين عن الهندسة الحكومية اعتمدوا منطق السبب والنتيجة للجمع بين “التعليم الأولي” و”الهدر المدرسي”، صحيح أن بعض التقارير تربط ارتفاع نسب الهدر المدرسي بغياب التعليم الأولي، لكن هذا الربط، وإن بدا منطقياً في ظاهره، فإنه يمثل بالنسبة للبعض اختزالا غير موفق لظاهرة مركبة ومعقدة، تتداخل فيها الأسباب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والجغرافية، وأي معالجة أو تقليص لهذه الظاهرة، سيتطلب حتما مقاربة شمولية تتجاوز التدابير القطاعية الجزئية، فالظواهر التي تعيشها المنظومة كالهدر المدرسي، والتعثر الدراسي، والاكتظاظ، وضعف المردودية، وتراجع القيم في الوسط المدرسي، هي ظواهر مستعرضة ومتجذرة في الواقع، وتتطلب إصلاحا نسقيا وحلولا جوهرية، لا تعبيرات شكلية قد تسقط في أول اختبار.
رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة