انتقلتُ إلى آسفي انطلاقاً من الوَليدية ، وبالضّبط من قصبة أييرْ ، رفقة خالتي فّيْطنة بنت السّكّاف التي كان يرقّ قلبها لحالنا ، وتحاول مساعدتنا بشتى الوسائل ، مما جعلها تذهب عند مَعارفها الكثر في هذه المدينة ، وهم من نفس قريتها دفعتهم ظروف الحياة للهجرة لهذه المدينة الساحلية الجميلة والغنية بأسماكها المشهورة عَالمياً ، وأهلها جد طيبين ومستعدين باستمرار لمساعدتك والأخذ بيدك رغم ظرُوفهمْ الخاصة ، .في اليوم الثاني خرجت مع خالتي كي تعرّفني على أزقة المدينة وأوليائها الصّالحين ، فكان أول ما فعلته هو إدخالي لأحد الأولياء في تلّ الخزَف ، لا أعرف إسمه ، لكنْ بدون شك هو يعرفني ، كما يعرف بؤسي وحاجتي للمساعدة بسبب يتمي وفقري وغربتي ، كما يعرف قصدي نظراً لكوْن من يزورونه هم بلا شك الفقراء وذوي الحاجات المُلحّة للعيش ، أو لتسلق المراتب بدون سلالم ولا أسباب ! فما فشلت فيه الطبيعة يمكن للميتافيزيقا أن تهزمه وتتغلب عليه ! تمسحتُ بتابوته كما أمرتني خالتي ، كما نابتْ عني في التوسل إليه لإكرام وفادة هذا الغريب الضعيف ، ويمهد له السبل كي يسلك مسالك سهلة بدون عقبات ولا متاهات ، وبالفعل كانت بَرَكة الولي جاهزة لتفتح لي أبواب مدينة سيدي أبي محمد صالح ، إذ لم ألبثْ بعد مرور أيام قليلة من العثور على أصقائي في سيدي بنّور واكتريْنا شقة مع أحد الصّيادين ، من منطقة قريبة من منطقتنا ، بل يعرف دوارنا ليس بفضل علمائه ذوي الصيت العالمي كالفقيه أبي شعيْب الدّكّالي السلفي المشهور ، وإنما بفضل عشبة الكيف التي كان يقتنيها من أحد البائعين الذين لا يقلون شهرةً وسمعةً طيبةً عند رواده ، فلكلّ مريدوه وأولياؤه !!! هذه القرابة غير المتوقعة جعلت الصياد يطلع علينا كل صباح بسلّة سردين طري لا يتوصل بها سكان المدينة الأصليون . نحملها للفرن كما تكون كافية لاستعمالها في كل الوجبات بدون اختيار ولا تمييز ، وجبة شهية تسر الناظرين وتسلب عقول الجائعين ! لكن ليس إلى هذا المستوى من اللهفة والشوق ، لأن المدينة كانت تعجّ بأصناف المرَاكب التي تجلب مئات الأطنان من كل أصناف السمك ، تزود بها مئات المصَانع المنتشرة في جنوب المدينة ، والتي تشكل قبلةً لنساء ورجال المدينة السخية ، يعملون بها وتكفيهم الحاجة والخصَاص . كما كنا بدورنا نحصل على حصّتنا من الحوت الطري بالمجان ، إذ كانت الشوارع والأزقة مليئة بالأسماك تدوس عليها العربات والشاحنات . لكن هذا الثراء زال الآن ولم يعد موجوداً كما رحل أغنياء المدينة عنها ، برحيل المصَانع أو الفَابريكات نحو الجنوب ، ورحيل الأسماك إلى الأبد . اندمجت بسهولة في القسم مع أبناء الأعيان ، كما اندمجت في الساحة مع التلاميذ ، رغم صُعوبة ظروفي وبؤس مظهري ، لكن كان للتلاميذ أسلوب في الاندماج يقوم على التضَامن الجماعي ، وتنظيم مقابلات في كرة القدم والريݣبي ، وتنظيم خرجات وأخذ صُور جماعية ، كل هذا جعلني لا أشعر بأي تمييز أو فوارق كبيرة ، رغم اختلاف لكنة أهل دكّالة عن لكنة أهل عبدة المرحين والمَعروفين بالمرح والنكت .
حسَن الرّحيبي..
المصدر : https://www.safinow.com/?p=22632





عذراً التعليقات مغلقة