بقلم: يونس بايدر **** في عمل توثيقي مفعم بالحنين والوفاء، يطلّ الباحث الصويري حسن هموش على قرائه بكتاب جديد موسوم بـ“سيرة البركة لعبد الرحمان باكا”، مستحضراً من خلاله سيرة أحد أعمدة الثقافة الكناوية، الفنان الراحل عبد الرحمان باكا، الذي بصم الذاكرة الفنية لمدينة الصويرة وترك أثراً لا يُمحى في وجدان عشاق هذا اللون الروحي العريق.الكتاب لا يكتفي بسرد سيرة فنان، بل ينسج خيوط ذاكرة جماعية تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، حين كانت الصويرة، أو “موكادور”، فضاءً مفتوحاً على تجارب فنية وثقافية متعددة. من خلال حوار وجداني بين الكاتب وصديقه يونس، تتجلى دعوة صادقة لتدوين سيرة باكا، باعتبارها جزءاً من الذاكرة الحية التي أغنت الثقافة الكناوية ومنحتها إشعاعاً عالمياً.

ويستعيد حسن هموش تفاصيل تلك المرحلة التي تشكلت فيها ملامح جيل بكامله، جيل انفتح على موسيقى العالم دون أن يتخلى عن جذوره، حيث تمازجت أنغام Bob Marley وCat Stevens مع إبداعات ناس الغيوان وجيل جيلالة وإزنزارن، في مشهد ثقافي يعكس تلاقح الهويات وتنوع التعبيرات.
في هذا السياق، يحتفي الكاتب بدور الراحل باكا في تقريب آلة “السنتير” من الجمهور، حيث لم يكن مجرد عازف، بل حامل رسالة روحية نقل بها طقوس كناوة من زواياها التقليدية إلى المسارح العالمية، مساهماً في جعلها لغة كونية تتجاوز الحدود.
ويختم هموش كتابه بنبرة تأملية عميقة، مؤكداً أن عبد الرحمان باكا لم يكن مجرد فنان عابر، بل ظاهرة فنية وإنسانية متفردة، عاش بكبرياء، وعزف بصدق، وصمت ببلاغة. فحين كان يصدح بأنغامه، كانت الأرواح تهتز طرباً، وحين يصمت، كان صمته أبلغ من أي كلام، حاملاً أنين وجع إنساني صادق.
“سيرة البركة” ليس مجرد كتاب، بل رحلة في الزمن الجميل، دعوة لاستعادة وهج الصويرة الثقافي، وتكريم لذاكرة فنان استطاع أن يحوّل الألم إلى موسيقى، وأن يخلّد اسمه في سجل الكبار. ورغم رحيله، يظل باكا حاضراً في كل نغمة سنتير، وفي كل ليلة كناوية تعانق فيها الأرواح صدى الماضي وحنين الحاضر.

المصدر : https://www.safinow.com/?p=23454





عذراً التعليقات مغلقة