حرب بلا دماء.. وتحالفات بلا شرف: من يخدع من في مسرح الشرق الأوسط؟

حرب بلا دماء.. وتحالفات بلا شرف: من يخدع من في مسرح الشرق الأوسط؟

-أسفي الأن
أخبار دولية
-أسفي الأن25 يونيو 2025آخر تحديث : الأربعاء 25 يونيو 2025 - 6:46 مساءً
0eb0ffcc 7571 402a 8bee 2afb7309e037 - ✍️المصطفى بعدو *** في خطوة لم تخلُ من الرسائل المبطنة، اختار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرد على الهجوم الصاروخي الإيراني بلغة ظاهرها الاطمئنان وباطنها التحذير الموارب. فقد كشف أن واشنطن كانت على علم مسبق بالضربة، وهو ما أتاح، حسب قوله، اتخاذ الاحتياطات اللازمة وتفادي أي خسائر في الأرواح. هذا “الإخطار غير المباشر”، كما سماه، فسّره البعض على أنه مؤشر لتواصل خفي لا تزال خيوطه ممتدة رغم التصعيد العلني، وربما يعكس تواطؤًا ضمنيًا على ضبط النفس من كلا الطرفين.
ترامب لم يفوّت الفرصة لتقديم الهجوم الإيراني في صورة العاجز عن إلحاق الأذى، مشيرًا إلى أن 13 صاروخًا من أصل 14 تم اعتراضها، بينما الأخير لم يكن ذا تأثير يُذكر. هذا التقييم الذي وصف الرد الإيراني بـ”الضعيف جدًا” يحمل في طياته أكثر من مجرد انتقاد عسكري، بل هو رسالة سياسية تهدف إلى إظهار التفوق الأمريكي الميداني والاستخباراتي، وفي الوقت نفسه تجريد طهران من أي مكسب رمزي كانت تأمل أن تحققه.
لكن ما بين سطور خطاب ترامب، يلوح موقف أكثر دهاءً؛ فحين أعرب عن أمله في أن تكون إيران قد “نفّست عن غضبها”، بدا وكأنه يمنحها مخرجًا مشرّفًا للانسحاب من حافة الهاوية، دون إذلال مباشر. هي محاولة لفتح نافذة للحوار، ولكن من موقع قوة، وكأن واشنطن تقول لطهران: “أوصلتم رسالتكم، والآن لنعد إلى الطاولة بشروطنا”.
الخطاب برمّته لا يخلو من تناقضات تكتيكية؛ فهو يدعو للتهدئة بينما يستعرض القدرة العسكرية، ويُظهر الانفتاح على السلام بينما لا ينسى السخرية من خصمه. إنها لعبة ميزان معقدة، تُدار فيها الحرب بالتصريحات كما بالصواريخ، ويُقاس فيها الانتصار ليس بعدد الضحايا، بل بكيفية رسم حدود الاشتباك القادم.
خطاب ترامب، بما حمله من تهدئة مصطنعة وتصريحات حذرة مغلفة بالثقة، لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أعمق يُثير الكثير من التساؤلات المُقلقة. فما الذي يعنيه فعلاً أن تعلن الولايات المتحدة، في شخص رئيسها، أنها كانت قد تلقت “إخطارًا” من طهران قبل تنفيذ الهجوم الصاروخي؟ هل نحن فعلاً أمام مواجهة حقيقية بين عدوين لدودين، أم أن هناك اتفاقًا غير معلن، أو على الأقل تواطؤًا ناعمًا يُدار خلف الكواليس؟
هذه الإشارة الغامضة تفتح باب الشك واسعًا حول طبيعة هذه الضربة، التي اتسمت بدقة لافتة في تجنّب الخسائر البشرية، وهو أمر غير معتاد في صراعات دموية لطالما افتقدت لأي قدر من الرحمة أو ضبط النفس. فهل نحن أمام مسرحية متقنة تُلعب فوق رؤوس الشعوب، خاصة شعوب المنطقة العربية والإسلامية، لإيهامها بأن هناك صراعًا طائفيًا أو جيوسياسيًا محتدمًا، في حين أن الحقيقة لا تتجاوز كونها تبادل أدوار بين أطراف تُمسك بخيوط اللعبة من بعيد؟
الشكوك تتعزز حين نتأمل التوقيت والسياق: تصعيد لفظي، ضربة محسوبة، ردّ فعل منضبط، ثم دعوات للسلام. وكأن الهدف ليس الحرب بحد ذاتها، بل خلق بيئة من الذعر والتوجس، وضرب الاستقرار النفسي والسياسي لشعوب الشرق الأوسط، لا سيما في الخليج. إنها لعبة أكبر من مجرد رد فعل انتقامي، بل تكتيك ناعم لبسط النفوذ، وتأديب الحلفاء، وتمرير رسائل ضمنية إلى من يظن نفسه خارج لعبة الكبار.
أما أخطر ما في الأمر، فهو هذا الإيهام المستمر بأن إيران تخوض “حربًا مقدسة” ضد “الشيطان الأكبر”، بينما كل المؤشرات الميدانية توحي بعكس ذلك: حرب بلا جثث، تهديدات بلا تنفيذ، وانتصارات إعلامية تُصرف في سوق المزايدات السياسية لا في ميادين القتال. وكأننا أمام محاولة لإعادة تشكيل الوعي العربي والإسلامي، عبر تسويق بطولات وهمية، وإقناع الشعوب بأن الخطر الحقيقي ليس في الداخل المُنهك ولا في الفساد المزمن، بل في عدو خارجي يتم ترويضه سرًا والتهويل منه علنًا.
في النهاية، يبقى السؤال الجوهري معلقا: من يحارب من؟ ومن يخدع من؟ والأخطر: من سيدفع الثمن في كل مرة تُقرع فيها طبول حرب لا تنفجر؟
رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة