بائعة الفخار

بائعة الفخار

-أسفي الأن
الشأن المحلي
-أسفي الأن10 يناير 2026آخر تحديث : السبت 10 يناير 2026 - 9:20 مساءً
1 - كانت تنظر إلى الزبون بنظرةٍ فاحصة، وهو يُقلّب طبق الفخار المزخرف بين يديه، محاولًا تخفيض ثمنه كعادة المشترين.
قال بنبرةٍ حازمة:
— باركا عليك، غير خمسين درهم، هذا هو ثمنه.
ابتسمت مستسلمة:
— الله يسخّر… بصحتك.
ناولها ورقة نقدية من فئة الخمسين درهمًا وهو يقول:
— سنأكل فيه الكسكس الجمعة القادمة إن شاء الله.
ردّت وهي تدسّ المال في جيبها:
— الله يعطيك الخير آسيدي، ويرزقنا غير الصحة والسلامة.
ثم أردفت وهي تمدّ له كيسًا بلاستيكيًا:
— هاك… ديرو فالميكة على الشتا.
وضع الطبق في الكيس، وعيناه تتأملان السماء المتلبدة:
— الشتا كثيرة تبارك الله، سأنتظر هنا قليلًا حتى يخفّ المطر.
أومأت برأسها موافقة، غير أنّ بصرها كان مشدودًا إلى الخارج، ترقب السماء بنظرةٍ ملؤها التوجّس.
ريحٌ عاتية، ورعدٌ مدوٍّ، وأمطارٌ غزيرة لم تشهدها المدينة منذ سنوات.
بدأت بائعة الفخار تنقل معروضاتها من الرصيف إلى داخل المحل بسرعةٍ وخفّة، تقفز من مكانٍ إلى آخر وهي تلهج بلسانٍ مرتجف:
— يا لطيف… يا لطيف!
هبّ الزبون لمساعدتها مردّدًا:
— يا رب عطيها قدّ النفع.

وفي المحلات المجاورة، كان الجميع يسابق الزمن لإنقاذ بضائعهم. الضجيج يعلو، ونداءات الاستغاثة تختلط بدويّ الرعد.

فجأةً صرخت، وصوتها يرتجف:
— فينك آ عبد الرحمن؟ أجي عاون ميمتك… راه كلشي غادي يضيع!
وكأن عبد الرحمن سمع نداءها وجدته أمامها، يحمل الأواني الثقيلة ويدفعها نحو الداخل وصوته يغالب ضجيج المطر:
— ما تخافيش ميمتي… إن شاء الله السلعة كلهاغنعتقوها.
لكن السماء لم تمهلهم. اشتدّت الأمطار وتحولت الشوارع في لحظات إلى نهرٍ جارف. تعالت الصرخات:
— الواد!… الواد!… إنه الطوفان!
اندفع السيل الهادر ليقتلع كل شيء في طريقه: بضائع، عربات، وحتى البشر. حاول عبد الرحمن اللحاق ببعض الأواني التي جرفها التيار، لكن السيل كان أقوى منه.
عاد يقاوم التيار بصعوبة، يتعثر وينهض، وساقاه ترتطمان بالحطام والأخشاب العائمة، حتى وصل بشقّ الأنفس إلى واجهة المحل.

كانت الصدمة بانتظاره. وجد أمه عالقة وسط أكوام من الحجارة والأوحال، تحاصرها بقايا الفخار المحطم، وصوتها يخرج مخنوقًا:
— أعباد الله عتقوني… عتقوني!
شرع يزيح الركام عنها، والماء يرتفع حولهما بسرعةٍ مرعبة. أمسك يدها بقوة، ودموعه تختلط بماء المطر:
— شدّي مزيان فإيدي… ما تخافيش ميمتي، أنا معاك.
بمساعدة شابٍ كان بالقرب منهما، خاضا صراعًا مريرًا ضد الموت. نجحا في سحبها من تحت الركام، لكن السيل كان غادرًا.
وبينما كان عبد الرحمن يتشبث بيد أمه، ارتفع منسوب المياه فجأة، جارفًا الجميع في طريقه.
كانت آخر كلمات سمعها منها صرخةً يائسة:
— عتقني آ ولدي…
تشبث بيدها بكل ما أوتي من قوة، والماء يملأ فمه ويخنقه، حتى غشيت الظلمة عينيه
ضاعت قبضة يدها من بين أصابعه، وغاب عن وعيه…
في المستشفى، فتح عبد الرحمن عينيه ببطء. الضوء الأبيض يؤلم بصره. تحسّس الفراغ بجانبه… فتذكّر أمه.
نظر إلى الممرضين حوله بعينين زائغتين، وبصوتٍ مبحوح:
— أخبروني… هل ماتت أمي؟

ماجدة الفلاحي

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة