
بقلم عبد الهادي احميمو *** سُئِل سقراط: «لماذا تم اختيارك كأحكم الحكماء ؟»، فقال: «ربما لأنني الرجل الوحيد الذي يعترف بأنه لا يعرف». والمتأمل لهذه العبارة يجد أنها بالفعل إحدى صفات الرئيس الحكيم، وهي أنه لا يتباهى بمعارفه بل يضعها رهن إشارة السائل، ولا تتدفق درره ومعارفه إلا وقت الحاجة.والرئيس الحكيم يؤمن بأن «الأفعال أبلغ من الأقوال»، ولذا يدرك أهمية ممارسة أسلوب القدوة الحسنة أو «Leading by example».
والرئيس الحكيم هو الذي يفرق بين «السرعة» في اتخاذ القرار حينما تكتمل أركانه، وبين «التسرع» الذي يجانبه الصواب في أحيان كثيرة. ومن علامات الحكمة حينما نرى في خضم النقاشات الصاخبة والعقيمة كيف يفرق الرئيس في مداخلاته بين الرأي والحقيقة. فالحقيقة مسلمات قلما تكون مجالا للنزاع.. أما رأينا فصواب يحتمل الخطأ كما قال الشافعي.
وسميت الحكمة بذلك لأنها تأتي من « الرئيس » الشيء أي أجاد إحكامه، ومن تعريفاتها معرفةُ أفضل الأشياء بأَفضل العلوم.. وهذا أحد الأسباب التي تدفع بالرئيس الحكيم لأن يحيط نفسه بأفضل المستشارين البارزين في مجلاتهم ويصغي لهم ويحترمهم بنفس الدرجة التي يزدري فيها المنافقين والمطبلين من حوله. كما أن ارتباط الحكمة بالعلم كما قلنا يجعل القرارات الحكيمة قابلة للاستيراد، وذلك باستشارة أصحاب الخبرات. وكما قال الشاعر:
«فخذوا العلم على أربابه.. واطلبوا الحكمة عند الحكماء».
وقال أيضا:
«إذا كنت في حاجة مُرْسِلا.. فأرسل لبيبًا ولا توصهِ..
وإن باب أمر عليك التوى.. فشاور حكيما ولا تعصهِ».
والرئيس الحاكم يدرك جيدا أن مقولة «خذ الحكمة من أفواه المجانين» لا تقتصر على لحظات التندر والملاطفة، بل قد يكون في مقترح بسيط يتناهى إلى أسماعهم أساس لقيام مشروع قيّم يحل معضلة مستعصية أو يسهم في تخفيض المصاريف أو زيادة الأرباح.
ويصعب أن نتخيل شخصا يمارس الحكمة، ولا يُحسِن حجب انفعالاته وعواطفه في لحظة اتخاذ القرارات الجادة والحاسمة.. ولا يدرك أن العاطفة لا تستخدم إلا في الموضع والوقت المناسب بعيدا عن حالات الانفعال.
هناك من تراكم خبراته واجتهاداته في الحياة معينا لا ينضب من الحكمة، وهناك من يهبه الوهاب الحكمة هبة. وصدق القائل في محكم كتابه الكريم «يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِي خَيْرًا كَثِيرًا».
المصدر : https://www.safinow.com/?p=23061


عذراً التعليقات مغلقة