الجمعيات بالمغرب: كثرة في العدد… وقلة في الأثر

الجمعيات بالمغرب: كثرة في العدد… وقلة في الأثر

-أسفي الأن
اراء بلاقيود
-أسفي الأن13 يناير 2026آخر تحديث : الثلاثاء 13 يناير 2026 - 4:25 مساءً
الجمعيات بالمغرب: كثرة في العدد… وقلة في الأثر
55 - يتوفر المغرب على عدد كبير من الجمعيات، تقدر بعشرات الآلاف، وتتنوع مجالات اشتغالها بين الاجتماعي، والثقافي، والتنموي، والرياضي، والبيئي، وغيرها من المجالات التي يفترض أن تسهم في تأطير المواطنين، وتكملة أدوار الدولة، وتعزيز قيم التضامن والمبادرة المجتمعية. غير أن المتتبع للشأن الجمعوي يلاحظ، بكل أسف، أن أغلب هذه الجمعيات تبقى حبيسة الأوراق، أو محدودة الأثر، ولا تقدم إضافة حقيقية للمجتمع.
هذا الواقع يطرح أكثر من سؤال حول أسباب ضعف الفعل الجمعوي، رغم وفرة الجمعيات من حيث العدد. ومن بين أبرز أسباب هذا الفشل، هيمنة منطق “الذات” على حساب “الرسالة”، حيث يتحول العمل الجمعوي، في بعض الحالات، إلى وسيلة لحب الظهور، أو لتحقيق مصالح شخصية وانتخابية، أو لبناء علاقات ظرفية، بعيداً عن الأهداف النبيلة المسطرة في القوانين الأساسية لهذه الجمعيات.

كما أن غياب الحكامة الجيدة داخل عدد كبير من الجمعيات، وضعف الديمقراطية الداخلية، وانعدام التداول على المسؤوليات، كلها عوامل تفرغ العمل الجمعوي من محتواه، وتحوله إلى نشاط موسمي مرتبط بالمناسبات، أو بفرص التمويل، لا غير.
ومن الإشكالات الكبرى أيضاً، اعتماد العديد من الجمعيات بشكل شبه كلي على الدعم العمومي أو الخارجي، دون التفكير في خلق موارد ذاتية مستدامة. هذا الوضع يجعل هذه الجمعيات رهينة للتمويل، فإذا انقطع الدعم توقفت الأنشطة، أو اختفت الجمعية كلياً، مما يطرح إشكالية الاستمرارية والاستقلالية.

ولا يمكن إغفال ضعف التكوين في مجال تدبير المشاريع، والتواصل، وجلب التمويل، والتقييم، حيث يشتغل بعض الفاعلين الجمعويين بحسن نية، لكن دون كفاءة أو رؤية واضحة، مما يؤدي إلى هدر الجهود والموارد.

إن إصلاح وضعية العمل الجمعوي بالمغرب يمر عبر مجموعة من المداخل الأساسية، من بينها:

إعادة الاعتبار لرسالة العمل الجمعوي، وربط وجود الجمعية بحاجيات حقيقية للمجتمع، لا برغبات شخصية أو ظرفية.

تعزيز الحكامة والديمقراطية الداخلية، واحترام القوانين الأساسية، وتحديد المسؤوليات، وربط المحاسبة بالشفافية.

تشجيع الجمعيات على خلق موارد ذاتية (أنشطة مدرة للدخل، خدمات، شراكات ذكية)، لضمان الاستقلالية والاستمرارية.

الاستثمار في التكوين وبناء القدرات، خاصة في مجالات تدبير المشاريع، والتخطيط الاستراتيجي، والتقييم.

ربط الدعم العمومي بالأثر والنتائج، وليس فقط بالملفات الإدارية، بما يضمن توجيه المال العام نحو الجمعيات الجادة والمنتجة.

تشجيع الاندماج والتنسيق بين الجمعيات، بدل التشتت والتنافس غير الصحي، خاصة في المجالات المتشابهة.

إن كثرة الجمعيات ليست مؤشراً على قوة المجتمع المدني، بقدر ما يقاس ذلك بمدى تأثير هذه الجمعيات في حياة المواطنين، وقدرتها على إحداث تغيير إيجابي ملموس. فالمجتمع لا يحتاج إلى جمعيات كثيرة بلا أثر، بل إلى فاعلين صادقين، أكفاء، ومؤمنين برسالة العمل التطوعي كخدمة للصالح العام، لا كوسيلة للمنفعة الذاتية.

✍️ نورالدين البركاني

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة