
مقدمة *** أثار إعلان عدم ترشّح عزيز أخنوش لولاية ثالثة لرئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار نقاشاً سياسياً واسعاً، نظراً لرمزية الرجل داخل الحزب والدولة، ولتزامن القرار مع تحولات داخلية وإكراهات حكومية وانتظارات تنظيمية متجددة. هذا القرار لا يمكن قراءته كخطوة تقنية معزولة، بل كخيار سياسي محسوب متعدد الأبعاد.أولاً: احترام التداول القيادي وترسيخ المأسسة
يُقرأ القرار، في بعده الأول، كإشارة واضحة إلى ترسيخ مبدأ التداول على القيادة داخل حزب يُقدَّم غالباً كنموذج للحكامة الحزبية الحديثة. الامتناع الطوعي عن ولاية ثالثة يوجّه رسالة داخلية مفادها أن القيادة وظيفة مؤقتة تُؤطَّر بالقواعد، لا امتيازاً دائماً مرتبطاً بالأشخاص.
هذا الاختيار يعزّز مصداقية الخطاب الحزبي حول الديمقراطية الداخلية ويمنح التنظيم زخماً مؤسساتياً يقيه شخصنة القرار.
ثانياً: الفصل الوظيفي بين قيادة الحزب ورئاسة الحكومة
من زاوية تدبيرية، ينسجم القرار مع منطق الفصل النسبي بين مهام رئاسة الحكومة وقيادة الحزب. المرحلة الحكومية الحالية تتسم بتعقيدات اقتصادية واجتماعية (التضخم، الاستثمار، العدالة الاجتماعية)، ما يجعل التفرغ للتنفيذ الحكومي أولوية.
التخلّي عن رئاسة الحزب قد يهدف إلى تخفيف التداخل بين منطق التدبير الحكومي ومنطق التعبئة الحزبية، وتقليص كلفة الاستنزاف السياسي.
ثالثاً: إعداد الحزب لمرحلة ما بعد أخنوش
سياسياً، يحمل القرار بعداً استباقياً: تحضير الحزب لمرحلة ما بعد زعيمه الحالي. فالأحزاب التي تُحسن الانتقال القيادي تُقلّل من مخاطر الفراغ والانقسام.
إتاحة المجال لنخبة جديدة أو قيادة جماعية متجددة يفتح آفاقاً لإعادة ترتيب الأولويات، وتحديث الخطاب، وتجديد أدوات التواصل مع القواعد والناخبين، خصوصاً الشباب والطبقة الوسطى.
رابعاً: إدارة الكلفة السياسية والتوازنات الداخلية
لا يخلو القرار من حسابات الكلفة والربح. فمرحلة ما بعد الفوز الانتخابي تفرض على القيادة تحمّل تبعات السياسات العمومية. الابتعاد النسبي عن الواجهة الحزبية قد يساهم في امتصاص الاحتقان الداخلي، وإعادة توزيع الأدوار، وتخفيف الضغط على القيادة الحكومية.
كما يمنح الحزب هامشاً أوسع لإدارة توازناته الداخلية دون ربط كل النقاشات بشخص واحد.
خامساً: رسالة للخارج وللمشهد الحزبي
على المستوى الرمزي، يقدّم القرار صورة إيجابية عن النضج السياسي ويضع الحزب في موقع مغاير داخل المشهد الحزبي المغربي، حيث ما زال التمديد القيادي قاعدة أكثر منه استثناء.
الرسالة هنا مزدوجة: داخلياً نحو القواعد، وخارجياً نحو الرأي العام، بأن التجديد خيار واعٍ لا نتيجة أزمة.
خاتمة
عدم ترشّح عزيز أخنوش لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار ليس انسحاباً، بل إعادة تموضع سياسي وتنظيمي. إنه قرار يعكس قراءة هادئة لمتطلبات المرحلة، ويؤشر إلى انتقال مدروس من زعامة مركزية قوية إلى دينامية مؤسساتية أوسع.
نجاح هذه الخطوة سيظل رهيناً بقدرة الحزب على إنتاج قيادة بديلة مقنعة، والحفاظ على تماسكه الداخلي، ومواصلة الربط بين الأداء الحكومي والعمق الحزبي دون تضارب أو إنهاك.
المصدر : https://www.safinow.com/?p=22678


عذراً التعليقات مغلقة