لمدينة آسفي نكهتها الخاصّة : أولياؤها الصّالحين ، جمالها الأخاذ . عُيوطها الحزينة . ماضيها التليد . تاريخها العريق . نَسيمها الرطب والعليل . مدارسها المعطاءَة . أبْناؤها الأحرار والغيورون . رائحتها العبقة . وطعامها اللّذيذ. وأطباقها الشهية . نسَاؤها الجَميلات والرّائعات الملتحفات في حياك سوداء أو بيضاء منسوجة خيوطها الرفيعة بعبق التاريخ وثقل الماضي السّحيق … لك مني السّلام والتحية الصّادقة ، عروسة المحيط . لقد ظلموك عندما همّشوك . لكن عليك مقاومة كل من يريد طمْس ماضيك . وإنجابك لخيرة الأولياء والعلماء والمفكرين . وعلى رأسهم الولي الصّالح سيدي أبو محمد صَالح الذي نظّم الذهاب للحج ذهاباً وإياباً ، بواسطة قوافل ومراكز للاستقبال من فاس إلى الجزائر وتونس وليبيا ومرسىٰ مطروح وسيدي برّاني إلى جدة . بعد أن كان الحج ممنوعاً على المغاربة ، ومرفوعة عنهم فريضته ، بسبب خطورة الطريق ، واستحالة ارتيادها .
لا زلتُ منبهراً ومُندهشاً كيف اهتدَت خالتي فّيطنَة بنت السّكّاف المرأة الحكيمة والصّارمة ، التي عاشت كل حياتها بقصبة أيّير المتميزة بلكنتها وأسماء مكوناتها الجغرافية والتّاريخية البربرية ، والتي احتضَنت أولياء كبار عُرفوا على صَعيد المغرب والعالم الإسلامي كله ، كجعفر أمغار وزوجته لالّة تيمغار وابنهما مولاي عبد الله أمغار المولود بداخل القصبة وذاع صيته على صَعيد أرض الوطن حتى اليوم ، وكذلك مولاي بوشعيب الرّدّاد أو السّارية لطول مكوثه واقفاً متهَجّداً متعبداً قرب سَارية بآزمّور البَرغوَاطية الغنية بسَمك الشّابل المُنقرض اليوم ، بدون عياء أو كلَل أو ملَل ..كيف اهتدَت خلال بداية عهدي بالمدينة والشروع بالعيش فيها طالباً اللّجوء من الفقر والبؤس ، قادماً من مدينة سيدي بنور في ذلك الصّباح الخَريفي الحزين ، أن تبدأ بهذا الولي الصّالح الذي كان مجاهداً ضدّ البرتغاليين ، أدخلتني لمحرَابه المظلم البارد ، والمشبع رطوبةً لقربه من المحيط ..وأخذَت تمسح برأسي ووَجهي وكل أطرافي بما تأخذه من برَكات أهدَاب التّابوت الأخضَر المَهيب ، وبعض من تراب جُدرَانه المتسَاقطة ، طالبةً التّسليم والدّعاء لي بالفتح والتّيسير ، بينما استسلمت لهذه الدّعوَات الرّوحانية الرّهيبة مستشعراً سَريانها بأوصَالي ، لتمدّني بشيء من القوة والعزم والطاقة ، رغم أن قدمَاي كانا شبه حَافيين ، وثياب ممزقة ومهَلهَلة تستر بالكاد بَعضاً من جوَانب جسَدي النّحيل ..لننتقل بأسفل التّلّة لأولياء آخرين بالتّرتيب وبالتّدريج ، كما يفعل المراكشيون خلال زيارتهم لسَبعة رجال انطلاقاً من سيدي يوسف بن علي ، ومروراً بضَريح الفقيه السّني القاضي عياض ، ثم الفاعل الجمعوي المُحسن للعميان أبي العبّاس السبتي صَاحب مبدأ العباسية في عرف التجار والصّنّاع ..ومبدأ أنا أجود ، فأنا إذن موجود ، سبق بها ديكارت بقرون ! لا أخفيكم سراً بالقول إن الافتتاح بهذا الأسلوب وبهذه الرؤية والمنهجية الأصيلة كان بداية لمحاولة دمجي في ثقافة المدينة وأهلها ، والاستئناس بتاريخها وتراثها ..بينما عليّ أنا الباقي ، أي مواجهة ظروف غير متكافئة مع مظهري ، ولا تفكيري ولا قميصي الممزّق وسط تلاميذ من أبناء الأثرياء وأعيان المدينة ، بثانوية الإدريسي الرّائدة المميزة ، وأساتذة فرنسيين لا يتقنون سوى لغة الانضباط الصّارمة التي لا تقبل التنازل عن شيء ، أو المفاوضَة والنقاش ..لأفتتح السنة الدراسية الجديدة ، برمي مسيو ميتجي M . Mitgé أستاذ الرّياضيات ، لنصف قلمي المرمّم من مؤخرته بالكي بالنار كي يثبت ويستوي ، من النّافذة ويتركني مألوماً محسوراً لا أعرف ما أفعل ..رغم أني كنت على علم تام بأن آخر العلاج دَائماً هو الكَيّ ! كما أدركتُ من خلال كل هذا أن الحَياة ليسَت مفرُوشة بالوُرود ، كما أنها لا تسير على خط مستقيم نحو هدف مرسوم ومحدّد بما نشتهي ونريد ..بل هي ترَاكمات لمآسي وهوَاجس ومخَاوف وأفراح ومفاجآت ..قد لا تكون سَارّةً في أغلب الأوقات والأحيَان ..
حسَن الرّحيبي..
المصدر : https://www.safinow.com/?p=22720





عذراً التعليقات مغلقة