بقلم : حفيظ صادق *** في زمنٍ تتقاطع فيه المصالح وتتراجع فيه القيم أمام صخب التحولات، تبرز شخصيات استثنائية تُعيد الاعتبار لمعنى الالتزام، وتُجسد فكرة النضال بوصفه فعلًا يوميًا لا شعارًا عابرًا. من بين هذه الأسماء، يطلّ عبد الصادق السعيدي كأحد الوجوه التي صنعت حضورها بهدوء، لكنها تركت أثرًا عميقًا في المشهد النقابي والسياسي بالمغرب.وُلد السعيدي سنة 1967 بزاوية ابن حميدة، في قلب منطقة الشياظمة بإقليم الصويرة، في بيئةٍ تختلط فيها الأصالة العلمية بالامتداد الروحي. فهو سليل أسرة عُرفت بالعلم والتصوف، فجده عبد الله السعيدي صاحب مؤلف “السيف المسلول”، ووالده العلامة السعيدي المكي، فيما تنحدر والدته من بيت الشرف المرتبط بزوايا رجراجة. هذا الامتداد لم يكن مجرد إرثٍ عائلي، بل كان رافدًا لقيمٍ شكلت وعيه المبكر بالمسؤولية والانتماء.
انتقل السعيدي بين أسفي والرباط في مساره الدراسي، حيث تلقى تعليمه في مؤسسات عمومية شكلت جزءًا من ذاكرة أجيال مغربية، قبل أن يلتحق بجامعة محمد الخامس، متشبعًا بالفكر السوسيولوجي الذي صقل رؤيته للمجتمع والدولة. هناك، لم يكن طالبًا عاديًا، بل كان مشروع فاعلٍ مدني ونقابي، يختبر مبكرًا أسئلة العدالة والإنصاف. برز اسم عبد الصادق السعيدي داخل الحقل النقابي كأحد الأصوات المدافعة عن كرامة موظفي قطاع العدالة، حيث كان له دور محوري في تسوية وضعية كتاب الضبط، وهي محطة مفصلية أعادت الاعتبار لهذه الفئة داخل المنظومة القضائية. لم يكن هذا المسار خاليًا من التحديات؛ فقد تعرض للتوقيف والمضايقات، في سياق نضالٍ صلب من أجل استقلال القضاء ونزاهته، لكنه ظل ثابتًا على مواقفه، مؤمنًا بأن الإصلاح لا يُولد من الصمت.
سياسيًا، ساهم السعيدي في تأسيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي قبل اندماجه في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حيث يشغل اليوم موقعًا تنفيذيًا، ويواصل من خلاله الدفاع عن قضايا العدالة الاجتماعية والديمقراطية. كما تقلد مسؤوليات متعددة، من بينها نائب الكاتب العام للنقابة الفدرالية الديمقراطية للشغل، وكاتب عام سابق لنقابة وزارة العدل، ورئيس ودادية موظفي القطاع، فضلًا عن مهامه الاستشارية والتنموية على المستوى الجهوي.غير أن ما يُميز السعيدي ليس فقط تعدد مناصبه، بل ذلك الخيط الناظم الذي يربط بينها جميعًا: نزاهة الموقف، ووضوح الرؤية، والقدرة على الجمع بين الفكر والممارسة. هو من طينة رجالٍ لا يبحثون عن الأضواء، بل يصنعون أثرهم في عمق المؤسسات وبين الناس. يُوصف عبد الصادق السعيدي بأنه “حكيم في القول وصادق في الفعل”، وهي عبارة تختزل مسار رجلٍ تشكل في مدرسة النضال الحقيقي، متأثرًا بأسماء وازنة في الفكر المغربي، وعلى رأسهم الراحل محمد جسوس. وبين قاعات الندوات وساحات الاحتجاج، ظل صوته حاضرًا، لا يهادن حين يتعلق الأمر بالحقوق، ولا يتردد في قول الحقيقة.
في زمن الحاجة إلى نماذج ملهمة، يبدو السعيدي أكثر من مجرد فاعل نقابي أو سياسي؛ إنه مرآة لجيلٍ آمن بأن التغيير ممكن، وأن الكرامة لا تُجزأ. من الشياظمة إلى الرباط، ومن تفاصيل العمل اليومي إلى رهانات الوطن الكبرى، تظل حكايته درسًا في الصمود، وعنوانًا لنضالٍ لا ينحني.
المصدر : https://www.safinow.com/?p=23235





عذراً التعليقات مغلقة