بقلم: سعيد لقبي *** في المدينة العتيقة لآسفي، التي عرفت عبر تاريخها عددًا من الحمّامات التقليدية الشهيرة مثل حمّام الكراوي، حمّام سي حمزة، حمّام لمزوّاق، حمّام ليهود، وحمّام بوجرتيلة، كان الحمّام فضاءً يوميًا للنظافة واللقاء الاجتماعي، وجزءًا حيًّا من الذاكرة الجماعية للمدينة. ومن بين هذه الحمّامات التي كانت تنبض بالحياة في أحياء آسفي، ظلّ حمّام السِّبيل يحتلّ مكانةً خاصة في الذاكرة النسائية للمدينة.ومع اقتراب الليالي الأخيرة من شهر رمضان، كان موعدٌ نسويٌّ ينتظره الناس كل عام: حمّام السِّبيل. وكان يُقام في اليوم الخامس والعشرين من رمضان، فيتحول الحمّام إلى فضاءٍ خاص تلتقي فيه نساء الحيّ، حيث تختلط الألفة بالعادات المتوارثة، ويصبح المكان مجالًا للتلاقي وتبادل الأخبار وتقوية روابط الجيرة والقرابة، بل وأحيانًا لفتح آفاق التعارف التي قد تقود إلى المصاهرة.
كانت النساء يتوجّهن إلى الحمّام في جماعات، يحملن معهن أدوات العناية التقليدية: الطّاسة والسّطل النحاسي، مشط القرن، الغاسول، الصابون البلدي، والعكر الفاسي، إضافة إلى وصفات منزلية للعناية بالشعر والجسد تناقلتها الأجيال حتى صارت جزءًا من الذاكرة النسائية للمدينة.
ويكتسب هذا الموعد معنى أعمق لأنه يسبق ليلةً مباركة ينتظرها المؤمنون بخشوع: ليلة القدر، ليلة نزول القرآن الكريم، التي قال الله تعالى فيها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ
لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ
سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ
صدق الله العظيم
ولهذا كانت النساء يتهيأن لها جسدًا وروحًا، استعدادًا لليلة الدعاء والرجاء.
وكانت الدعوة إلى هذا الحمّام تقوم بها الطَّيّابات، وهنّ النساء المشرفات على تدبير الحمّام، إذ يقمن بزيارة البيوت المعروفة بارتباطها بذلك الحمّام أو ذاك، يدعون النساء إلى الموعد السنوي الذي ينتظره الجميع.
أما مجالس الشاي فكانت تختلف باختلاف الأحوال الاجتماعية. ففي بعض الحمّامات كانت توضع صينية فضية لامعة تتوسطها إبريق الشاي وكؤوس سان لوي، وإلى جانبها بابور صغير يشبه الساموفار يبعث دفئًا خفيفًا في المكان. وفي حمّامات أخرى أكثر تواضعًا كانت الصينية النحاسية—بعد أن تُفرك بتراب صيني والليمون حتى تستعيد بريقها—تتوسط المجلس فوق الزرابي، تحيط بها كؤوس حياتي الزجاجية ذات القاع السميك.
وكانت تلك الكؤوس تُستعمل أحيانًا لكسر قالب السكر المخروطي المعروف بعلامة النمر التجارية، الذي رسخ في الذاكرة الشعبية باسم النّامير. وما إن يُصبّ الشاي بالنعناع حتى ينتشر عبقه في فضاء الحمّام، ممزوجًا ببخار الماء ورائحة الصابون البلدي والغاسول، فيخلق جوًا حميميًا دافئًا.
ومع الشاي كانت تُقدَّم بعض الأكلات التقليدية التي تُحضَّر في البيوت وتُحمل إلى الحمّام في سلال القش، مثل مخمّار، ملوي، وبغرير. كانت هذه الفطائر الساخنة تُفتح باليد ويُوضع فيها الزبدة والعسل، فتفوح رائحتها الزكية وتزيد المجلس دفئًا وبهجة.
أما الحلوى فكانت تُرتّب بعناية داخل المكِيبَة، وتُغطّى بـ السَّبْنِيَّة المطرزة، ثم تُكشف برفق لتظهر تحتها أصناف الحلويات المغربية التقليدية مثل كعب الغزال، كعك المصبان، والغريبة، ترافقها كؤوس الشاي بالنعناع.
أما الطعام فكان بما لذّ من أطباق المطبخ المغربي، مثل الدجاج المبعوج المحمّر بزعفران تاليوين والبسطيلة بالحمام، في تنوع يذكّر بما وصفه الشاعر السَّفْيوي ابن علي المسفيوي في قصيدته الشهيرة قصيدة الزردة. وغالبًا ما كان الكسكس يُؤجَّل إلى ليلة السابع والعشرين احترامًا لقدسية ليلة القدر.
وهكذا لم يكن حمّام السِّبيل مجرد حمّام، بل طقسًا اجتماعيًا نسويًا يجمع بين الطهارة والاستعداد الروحي، وبين الألفة والضيافة، في تقليد من تقاليد آسفي، حاضرة البحر المحيط كما وصفها ابن خلدون.
إنها صفحة من الذاكرة الحية للمدينة، حيث كانت النساء يحوّلن لقاءً بسيطًا في الحمّام إلى احتفالٍ بالألفة والضيافة والرجاء.
المصدر : https://www.safinow.com/?p=23177





عذراً التعليقات مغلقة