كان يا ما كان…

كان يا ما كان…

-أسفي الأن
2026-03-25T21:56:14+01:00
زوووووم
-أسفي الأن25 مارس 2026آخر تحديث : الأربعاء 25 مارس 2026 - 9:56 مساءً
WhatsApp Image 2026 03 24 at 23.09.28 - بدّاز — حين يغلي الأطلسي في قدر آسفي
شيء من البركة……
Slow Food Sa

في زمنٍ يرسّخ فيه المغرب بثقةٍ متجددة اختياره الأطلسي، في ظلّ التوجيهات الملكية التي أعادت للمحيط مكانته في الرؤية الاستراتيجية للمملكة، تقف مدينةٌ وكأنها تستقبل هذا التحول بابتسامةٍ هادئة: آسفي.

فآسفي لم تكتشف الأطلسي اليوم.
لقد عاشت معه منذ قرون

وقد وصفها المؤرخ الكبير ابن خلدون بعبارته الشهيرة
«حاضرة البحر المحيط».

ولم يكن هذا الوصف مجرد صورة أدبية، بل توصيفاً دقيقاً لمدينةٍ قامت حياتها وتاريخها وثقافتها على تماسٍ دائم مع الأطلسي. فهنا لا يظهر البحر أفقاً بعيداً فحسب، بل حضوراً يومياً في الاقتصاد والذاكرة والمعيش

غير أن الأطلسي في آسفي لا يسكن الميناء وحده
إنه يسكن أيضاً المطبخ

وفي قلب هذا المطبخ يقف طبقٌ متواضع، يكاد يختفي من الذاكرة، لكنه يحمل في داخله حكاية محيطٍ بأكمله
البدّاز.

قدر بسيط… وخريطة أطلسية

قد يبدو البدّاز لأول وهلة طبقاً شديد البساطة

سميدٌ من الذرة

ﺑﻠﻐﺔﺣﻮﺰﺃﺳﻔﻲﺣﻴﺚﺍﻟﺰﻳﻦﺍﻟﺼﺎﻓﻲ   «  ﺑﺸﻨﺎ”»

يُبخَّر في الكسكاس فوق مجمرة الفحم، ومرقٌ متقشف من خضر الأرض القريبة
طماطم صغيرة شديدة النكهة، باذنجان، لفت محفور، قرع، والبسباس

خضر الفقراء

لكن في هذا القدر البسيط تختبئ جغرافيا كاملة

فالذرة، العنصر الأساسي في البدّاز، جاءت من الضفة الأخرى للأطلسي، من الأمريكيتين، عبر التبادلات البحرية التي أعادت تشكيل غذاء العالم منذ القرون الحديثة

وهكذا يحمل البدّاز في مكوّنه الأول ذاكرة الأطلسي القادم من العالم الجديد

البحر في قلب الطبق

غير أن الأطلسي لا يحضر في البدّاز عبر الذرة وحدها

إنه يظهر أيضاً في السمك

فروح الطبق تكمن في إضافة رأس سمكة أطلسية كبيرة
السرغال — القربينة.

وأحياناً كانت تُلفّ رأس السمكة في قطعة قماش حتى لا تتفتت أثناء الطهي، وتُثبَّت بقطع صغيرة من القصب أو الغصن، في حيلة منزلية ذكية تعكس خبرة المطبخ الشعبي

وهكذا يلتقي في هذا الطبق عنصران أساسيان

الذرة  من وراء الأطلسي… وسمك الأطلسي نفسه

صدى إفريقيا في المائدة

غير أن البدّاز يفتح أيضاً نافذة على العمق الإفريقي

ففكرة السميد أو الأرز المطبوخ مع السمك معروفة في تقاليد الطعام في إفريقيا جنوب الصحراء، حيث تشكّل هذه الأطباق جزءاً من المائدة اليومية في العديد من المجتمعات الساحلية

وهكذا يغدو البدّاز ملتقى بين الأطلسي وإفريقيا

اللمسة المغربية

لكن الطبق لا يصبح بدّازاً كاملاً إلا حين تضيف إليه الثقافة المغربية روحها الخاصة

فعندما يُسكب السميد في القصعة ويُرشّ فوقه زيت الأركان، تظهر البصمة المغربية العميقة

فزيت الأركان ليس مجرد مادة غذائية، بل هو ذاكرة أرضٍ أطلسية
إنه يأتي من المجال الأطلسي الأوسط للمغرب، من الربوع الممتدة بين آسفي والصويرة، حيث تنمو شجرة الأركان كجزء من هوية الساحل

وهكذا يمنح الأركان البدّاز عطراً خاصاً يربط الطبق بالمحيط وبالأرض في آنٍ واحد

فخار آسفي… البحر في الطين

حتى أدوات الطبخ نفسها تحمل هوية المكان

فالكسكاس أو القدر الذي يُطهى فيه البدّاز كثيراً ما يكون من فخار آسفي، المدينة التي اشتهرت منذ قرون بصناعة الخزف

وهكذا يجتمع في الطبق الواحد

الذرة القادمة من الأمريكيتين
وتقاليد السميد والسمك من إفريقيا
وزيت الأركان من المجال الأطلسي المغربي
وأواني الطهي من فخار آسفي

إنه طبق بسيط… لكنه خريطة أطلسية كاملة

طقس المشاركة
حين ينضج السميد، يُسكب البدّاز في قصعة كبيرة من خشب الجوز.
يجلس الناس حولها
يصنع كل واحد في راحة يده كرات صغيرة من السميد، ويغمسها في المرق.

وأحياناً يتربع فوق الطبق Cerise sur le gâteau كما تقول الفرنجة في باب البسطة حول الخوان
فلفل أحمر لامع، مدخله دمع في مقلـة ومخرجه عواء في خلاء كأنه علامة تعجب في نهاية الحكاية.

لم يكن البدّاز طعام الأعياد
بل كان طعام الألفة والبيت، وغالباً ما كانت النساء هنّ من يعدنه في مطابخ تنتقل فيها الوصفة عبر الذاكرة واليد.

البدّاز… علامة آسفي الأطلسية

لهذا لا يمكن النظر إلى البدّاز مجرد وصفة تقليدية

إنه رمز ثقافي يلخص علاقة آسفي بالمحيط

فالمدينة التي وصفها ابن خلدون بـ «حاضرة البحر المحيط» تحمل الأطلسي في تاريخها وفي حياتها اليومية

ومن هذا المنطلق دافعتُ عن فكرة إحياء البدّاز ضمن تصور لمهرجان للمطبخ المحيطي في آسفي، باعتباره علامة ثقافية يمكن أن تجسد الهوية الأطلسية للمدينة

وقد عرضت هذه الفكرة سنة 2014 في برشلونة خلال الأيام العلمية حول السياحة المستدامة.

فالبدّاز، في بساطته، يروي قصة كبيرة

محيط يصل القارات
وثقافة تجمع البحر بالأرض
ومدينة عرفت الأطلسي قبل أن يصبح موضوعاً للخطابات

ربما كان هذا هو سرّ آسفي

مدينة لم تكن في حاجة إلى أن تُخبر بأنها أطلسية

لقد عرفت ذلك منذ زمن بعيد

ولهذا قد تقول بهدوء الموانئ العتيقة

مرحباً بكم في الأطلسي
فالبدّاز كان يغلي على شواطئه منذ زمن بعيد

بقلم: سعيد لقبي

 

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة