عبد الهادي احميمو **** السِّياسيُّون، في اللغة العربية، كلمةٌ واحدة تشمل صنوفًا من المشتغلين بالسياسة العامة، معروفين في اللغات الغربية بأسماء متعددة، يدل كلٌّ منها على صناعة مختلفة، يبلغ من اختلافها في بعض الأحيان أن مَن يصلح لإحداها لا يصلح لغيرها!مواطن؛ وهو يعمل في والوساطات الرسمية بين التجار. وقد يخطر على باله، للوهلة الأولى، أنه أحوج السياسيين إلى النفاق والخداع ومحاولة الإقناع بطريق التمويه والتلفيق؛ ولكنه، في الواقع، أغنى السياسيين عن هذه المحاولات، لأنه يتعامل وأناسًا يضارعونه في الخبرة والذكاء، ويعرفون ما يعرفه من أصول الصناعة السياسية ، ويُسمَّون بـ”الممثلين السياسيين”. وهم، في معنى من المعاني، يمثلون ويعملون كما يعمل الممثلون على خشبة المسرح، حيث يقولون ويسمعون “أدوارًا” محفوظة، يعرفونها قبل أن تتحرك بها الألسنةُ وتصغي إليها الأسماع! وإذا اختلسوا المعلومات التي تنفعهم في صناعتهم، فهم لا يختلسونها بالحيلة والخداع بعضهم من بعض، بل يختلسونها بمعونة الأرصاد والعيون؛ ويفهم كلٌّ منهم أنه محوط بهم، معرَّض لاستطلاعهم، من غير حاجة إلى ذكاء خارق أو فراسة نادرة.
وهل تعلم أن “السياسة مقامرة” – وهو كلام صحيح؛ ويتمِّمه أن هذا الطراز من السياسيين – يلعبون “على المكشوف”، فلا يعملون هم في صناعة “المداراة”، ولكنهم ينفعون بمداراة الآخرين.
بما في ذلك رئيس الحزب أو الوزير الديموقراطي المنتخب أو الصحافي الحزبي لما يكون “سياسي” بمعنى غير هذا المعنى، يُعرَف عند القوم باسم الـ المنافق ” ، ويؤدي عمله، في الغالب، على صلة بالشعب أو الجماهير تحت تصفيفات أتباعه المنافقين الأجراء. ولا بدَّبل له من الإقناع: فإذا كان الإقناع يُحْوِجُه إلى المساومة والخداع، فلا بدَّ له من المساومة والخداع!
والحاكم المدبِّر أو السياسي داخل مؤسسة حزبية ما من أقدم الذين وُصِفوا بالسياسة في العالم بين الغرباء . وقد زعم أنه لا يستغني عن الكذب والغدر والمداورة والمراوغة، وأنه مُعفى من قيود الأخلاق والآداب، لأن واجبه الأول هو منع الفتنة والفوضى، وهما شرٌّ من مخالفة الأخلاق والآداب. وقد كان ذلك مفهومًا على وجه من الوجوه في القرون الوسطى، حين كان الحكمُ صناعةَ أفراد غير مسؤولين أمام الناس، وكان هؤلاء الأفراد فيما بينهم خصومًا ألداء، يتنافسون في رقعة واحدة من الأرض، ويتوقعون العدوان والهجوم على حين غرة في كلِّ وقت من الأوقات. وهي حالة قد تغيرت، ولا شك، بما طرأ من التغير على مراكز الأمراء والوزراء ورقابة الشعب على أعمالهم، في الجهر والخفاء. فما كان بالأمس صناعةً مباحةً، لا تُعاب إلا بالنقص في البراعة، قد أصبح الآن سلاحًا ممنوعًا، لا يُسمَح للسياسي باستخدامه على ملأ من الناس، جرى عليه ما جرى على صناعة الفرسان في القرون الوسطى، إذ كانت اللصوصية ضربًا من ضروب الشجاعة، والفروسية تُعاب بالعجز وقلة الإتقان، ولا تُعاب في المبدأ واللباب، ثم أصبحت من “الممنوعات” التي لا تعالَج في حدود القانون ولا تستحق الإعجاب، بما فيها من فنون المهارة.
لأنهم يقررون أصول الشرائع، ولا ينحصر عملُهم في دراسة اللغة وشرح الأحكام والنصوص. وقد يُظَن في هؤلاء أنهم لا يكذبون ولا يحتالون، وأنهم أحوج الساسة إلى الصراحة والإبانة عن حقائق الأمور في الحياة الاجتماعية. ولكننا نقرأ سياسة أخرى ، مثلاً، – وهو من أخلصهم نيةً وأشرفهم فكرًا، – فنراه يبيح الكذب للقوَّامين على الشرائع دون غيرهم. وهو يستحل للسياسي – بل يوجب عليه – أن ينشىء الجيل المتعلم على تصديق الخرافات التي تستقيم عليها علاقاتُ الطبقات وتنظيم الفرائض والحقوق بين أبناء كلِّ طبقة منها، على تفاوُت منازلها من الجماعات البشرية. وإحدى هذه الخرافات المباحة عنده أن الناس خُلِقوا من معادن ثلاثة، هي الذهب والفضة والنحاس، وأن الذهب معدن المشرِّعين والرؤساء، والفضة معدن القادة والجنود، والنحاس معدن الدهماء والمسخَّرين. وينبغي أن تنبت هذه الخرافة في الدروس والأقاصيص وأناشيد الطفولة، حتى ينشأ الجيل الذي يتلقاها كما يتلقى وحي السماء، بغير تشكُّك أو امتعاض.
تلك نماذج من الساسة ومن أنواع الكذب الذي يحتاجون إليه. ومادام هذا الكذب خاصًّا فرديًّا، فهو شبيه بالكذب الذي يقع فيه أصحابُ الصناعات جميعًا، وإنْ لم يشتهروا بالكذب كما اشتهر به السياسيون. فالطبيب يخفي الحقيقة عن المريض، أو يناقضها، ليستنهض فيه عناصرَ المناعة أو يريحه من المخاوف والآلام، ويخدِّره بالعقاقير الطبية – وهو أصل “التخدير” الذي استعير حديثًا لما يفعله الكلام الليِّن في النفوس. والمحامي يصور الحقائق في الصورة التي يستلزمها تعزيزُ الدفاع ونقضُ الاتهام. والمعلم يخفي بعض الحقائق ويرجئ بعضها كلما وجب الإخفاءُ والإرجاء. والتاجر يبالغ في جودة البضاعة ويغالي في تقدير الأسعار. وليس “السياسي” بدعًا بين أصحاب الصناعات بخليقة الكذب والنفاق: فإن كَذَبَ فكما يكذبون، وإن صَدَقَ فكما يصدقون.
أما الكذب الذي يخرج من الخصوص إلى العموم، فهو بضاعة تتوقف على السوق ولا تتوقف على البائعين، والمعوَّل فيه على العناصر اللازمة للإقناع في كلِّ جمهور من الجماهير. فيكثر الكذبُ والغش والتهريج في الساسة حين يكثر الجهلُ والقصور وإيثار المصلحة العاجلة في الجماهير. ويسقط السياسي من جراء هذه الوسائل بعينها إذا واجه بها أمةً يقظى وجمهورًا يُحسِنُ القياس والتقدير. ومهما يكن من احتيال السياسي على جمهوره، فإنه لَيسقط إذا انكشف نفاقُه. ويتوقف كشفُ نفاقه على طراز الألاعيب السياسية وطراز العقول التي تُعرَض عليها تلك الألاعيب.
والنفاق، على كلِّ حال، صفة خاضعة، في تقديرها وتقدير أصحابها، لمقرَّرات العلم ومقاصد الأخلاق. فإذا كان النفاق هو التلون بالألوان المتغيرة في محيط البيئة، فقد ثبت من المراقبة العلمية أنه طبيعة في جميع الأحياء، وأن ألوان الحيوان في رمال الصحراء غير ألوانه في مروج البطاح أو ألوانه بين وشائج الآجام! فلا عيب فيه لذاته، وإنما العيب فيه أن يُنقَل من توقِّي الأعداء إلى التغرير بالأصدقاء. وإنما النيات فيه هي مناطق القدح والثناء: فمَن كان من السياسيين ينافق لينفع قومه، فلن يكون شأنه، في ميزان الأخلاق، كشأن السياسي الذي ينافق لينفع نفسه ويضر قومه. وقد يخطئ السياسي في تقدير النفع في سبيله المأمون، ولكنه، مع هذا الخطأ، خير من السياسي الذي لا يقدِّره ولا يطلبه ولا ينافق في سبيله. وإنما الأخلاق – كالأعمال –
المصدر : https://www.safinow.com/?p=23570





عذراً التعليقات مغلقة