تحت غبار الفوسفاط… حين تصبح الثقافة موضوع سؤال **** ليس من السهل أن يكتب الفاعل الجمعوي عن معاناته مع مؤسسة يفترض أنها شريك في التنمية، وليس من السهل أيضا أن يتحول الحديث عن الثقافة إلى حديث عن الإقصاء والخيبة والأسئلة المؤلمة.لقد تأسس منتدى الآفاق للثقافة والتنمية من إيمان عميق بأن الثقافة ليست نشاطا هامشيا، بل رافعة للتنمية وبناء الإنسان. ومنذ سنوات، انخرط المنتدى في تنظيم ملتقيات وندوات ولقاءات وطنية ودولية، واستضاف مفكرين وسفراء وإعلاميين ومثقفين من داخل المغرب وخارجه، وساهم في إصدار كتب وتنشيط الحياة الثقافية بمدينة خريبكة، رغم محدودية الإمكانيات وضعف الموارد.
كان الرهان دائما هو خدمة المدينة وإبراز صورتها الثقافية، لا البحث عن امتيازات أو مصالح خاصة.
طوال سنوات، ظل المنتدى يشتغل في إطار التعاون مع مختلف المؤسسات. غير أن العلاقة مع المجلس الجماعي بخريبكة بدأت تعرف توترا تدريجيا بسبب عدد من المواقف والتساؤلات التي عبر عنها المنتدى في إطار حقه الطبيعي في إبداء الرأي والنقد.
من بين المحطات التي شكلت بداية هذا التوتر، تسجيل ملاحظات مرتبطة بتنظيم بعض الأنشطةو الثقافية، والتساؤل حول بعض الاختلالات التي رافقت تنظيم تظاهرات حضرها ضيوف من داخل المغرب وخارجه، إضافة إلى انتقاد بعض طرق تدبير ملفات الدعم الثقافي.
كانت تلك الملاحظات تندرج، من وجهة نظر المنتدى، ضمن النقد البناء الذي يهدف إلى تحسين الأداء وخدمة المصلحة العامة، لكنها مع مرور الوقت أصبحت تُستقبل وكأنها مواقف عدائية أو إساءات موجهة إلى المجلس.
تقليص الدعم دون مبررات مقنعة
من أبرز المحطات التي أثارت استغراب أعضاء المنتدى قرار تقليص الدعم المخصص له بشكل كبير مقارنة بحجم المشروع الثقافي المنجز.
فبينما كان المنتدى يقدم برامج وأنشطة ذات إشعاع وطني ودولي، جرى تقليص الدعم من اربعين ألف درهم إلى خمسة عشر ألف درهما، دون تقديم مبررات واضحة ومقنعة تتناسب مع طبيعة المشروع أو نتائجه.
وقد زاد من حجم التساؤلات ما تم تداوله بخصوص عدم الاطلاع الكافي على بعض الملفات والمشاريع قبل اتخاذ القرار بشأنها، الأمر الذي أثار مخاوف مشروعة حول منهجية التقييم ومعايير الانتقاء.
مناقشة المشاريع أم محاكمة الآراء؟
بلغت الأزمة ذروتها عندما تم الحديث داخل دورة المجلس عن كون سبب إقصاء المنتدى لا يرتبط بضعف المشروع أو غياب الأنشطة أو انعدام الإشعاع، بل بما اعتُبر “إساءة إلى المجلس” من خلال كتابات نقدية وحلقات منشورة تناولت تدبير الشأن الثقافي والدعم الجمعوي.
وهنا برز السؤال الجوهري:
هل أصبح النقد سببا للحرمان من الدعم؟
وهل يمكن اعتبار التعبير عن الرأي أو المطالبة بالشفافية أو مناقشة الاختلالات إساءة تستوجب الإقصاء؟
إن هذه الأسئلة لا تخص منتدى الآفاق وحده، بل تهم كل الفاعلين الجمعويين والثقافيين الذين يمارسون حقهم في التعبير والمساءلة.
من النتائج المؤلمة لهذه التجربة بروز حالة من الحذر لدى عدد من الفاعلين الجمعويين.
فكثير من الأصوات عبرت عن تضامنها مع المنتدى في لقاءات خاصة ومكالمات ورسائل شخصية، لكنها فضلت عدم إعلان مواقفها بشكل علني.
لقد كان التضامن موجودا، لكنه في كثير من الأحيان بقي داخل الغرف المغلقة.
وفي المقابل، سجل المنتدى بكل تقدير مواقف عدد من المنتخبين والمحامين والمثقفين والفاعلين الجمعويين الذين عبروا عن آرائهم بكل وضوح، ورفضوا منطق الإقصاء ودافعوا عن حق الاختلاف والنقد.
إن قضية منتدى الآفاق ليست قضية مبلغ مالي أو استفادة من دعم عمومي فقط.
القضية في جوهرها تتعلق بمستقبل العلاقة بين المؤسسات والفاعلين المدنيين، وبمدى احترام مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية وتكافؤ الفرص.
كما تتعلق بحق الجمعيات في التعبير عن آرائها وملاحظاتها دون خوف من أن عرف يتحول النقد إلى سبب للعقاب أو الإقصاء.
فالثقافة لا يمكن أن تزدهر في مناخ يسوده الخوف، والعمل الجمعوي لا يمكن أن يؤدي رسالته كاملة إذا شعر الفاعلون بأن الصمت أكثر أمانا من الكلام.
رسالة إلى الرأي العام
إن منتدى الآفاق للثقافة والتنمية لا يطلب امتيازا خاصا، ولا يبحث عن معاملة استثنائية.
كل ما يطالب به هو الإنصاف، واحترام مبدأ تكافؤ الفرص، وربط الدعم بجودة المشاريع وأثرها الحقيقي، لا بالمواقف الشخصية أو الآراء النقدية.
كما يؤمن المنتدى أن المؤسسات القوية لا تخشى النقد، بل تعتبره فرصة للتطوير والتصحيح.
وستبقى قناعة المنتدى راسخة بأن الثقافة رسالة، وأن خدمة خريبكة مسؤولية جماعية، وأن الدفاع عن الحق في التعبير والنقد البناء ليس دفاعا عن جمعية واحدة، بل دفاع عن مستقبل العمل الثقافي والجمعوي بالمدينة.
ياسمين الحاج
رئيسة منتدى الآفاق للثقافة والتنمية.
المصدر : https://www.safinow.com/?p=23580





عذراً التعليقات مغلقة