حين يغيب الحارس العام …يحضر المدير…

حين يغيب الحارس العام …يحضر المدير…

-أسفي الأن
اراء بلاقيود
-أسفي الأن27 سبتمبر 2026آخر تحديث : الأحد 27 سبتمبر 2026 - 9:29 مساءً
حين يغيب الحارس العام …يحضر المدير…
WhatsApp Image 2026 09 27 at 21.44.56 -
عبدالله المساوي
يبدو أن الإدارة التربوية في بلدنا اهتدت إلى معادلة بالغة الذكاء: قلصوا عدد الأطر، أبقوا المهام كما هي، ثم اطلبوا من المؤسسة مزيدا من الحكامة والنجاعة وحسن التدبير — كما لو أن المسؤوليات تنكمش من تلقاء نفسها كلما انكمش عدد الموظفين. غير أن في المعادلة تفصيلا صغيرا أفلت من الحساب: حين يغادر الحارس العام، لا تغادر معه مهامه. تبقى جالسة في مكانها، تنتظر من يتكفل بها. ومن هذا التفصيل بالذات تبدأ المفارقة: حذف الوظيفة من الخريطة الإدارية لا يحذف الحاجة إليها من يوميات المؤسسة.
فالحارس العام يؤدي أدوارا تتصل بتدبير الحياة المدرسية، وتتبع التلاميذ، وضبط الحضور والانضباط، والتنسيق في وضعيات يومية شتى. وشغور المنصب لا يُلغي هذه الوظائف؛ إنه يُعيد توزيعها بحكم الأمر الواقع. وحين لا يتولى قرار تنظيمي واضح هذا التوزيع، يتولاه المنحدر الطبيعي للأشياء، فتنزلق المهام إلى أقرب حل متاح، وهو المدير في الغالب. عند هذه النقطة يكفّ الخصاص عن كونه رقما في جدول للموارد البشرية، ويصير واقعا يوميا يغيّر طبيعة العمل الإداري نفسه.
ولا تملك المؤسسة أن تعلن لتلاميذها أن الحارس العام غائب، وأن بعض قواعد الحياة المدرسية معلقة إلى حين تعيين بديل. المهام تستمر، والمتطلبات تستمر، والآباء يواصلون طرق الأبواب، والمراسلات لا تتوقف، والحوادث لا تنتظر اكتمال البنية الإدارية كي تقع. وهكذا يغدو منطق “المؤسسة ستدبّر أمرها” حلا إداريا شديد الراحة: يضمن استمرار الخدمة، ويسكت عن من يدبّرها، وبأي وسائل، وتحت أي سقف من المسؤولية.
قد يبدو هذا المنطق قابلا للتسويق في الظروف العادية. عطبه يظهر حين يتراكم. مهمة إضافية تبدو بسيطة، وثانية يمكن تدبيرها، وثالثة يوجد لها حل مؤقت. فإذا استقر المؤقت قاعدة، وصار الخصاص بنيةً دائمة، لم يعد الأمر مرونة في التدبير، بل إعادة تعريف لفعل الإدارة على أساس التعويض المستمر عن غياب الموارد. وشيئا فشيئا يصير المدير مديرا للمؤسسة، وحارسا عاما عند الحاجة، ومنسقا عند الحاجة، ومستقبِلا للشكايات عند الحاجة، ورجل إطفاء إداريا كلما اندلع حريق جديد.
والحال أن المدير يشتغل داخل زمن محدود وموارد محدودة، وتحميله مهاما إضافية لا يضاعف قدرته على الإنجاز بالضرورة؛ بل على العكس، كلما اتسعت دائرة المسؤوليات من دون أن تتسع معها الوسائل، ارتفع احتمال أن يقوم التدبير على رد الفعل بدل التخطيط، وعلى إطفاء المستعجل بدل الوقاية منه. ومن تم لم يعد السؤال: هل يستطيع المدير أن يدبّر؟ وإنما: إلى أي حد يُطالَب شخص واحد بتغطية فراغ تنظيمي، قبل أن يصير هذا الفراغ نفسه مصدرا جديدا للمخاطر؟
ومن هذه الزاوية تحديدا تتجاوز مسألة الحراسة والمراقبة حدود توزيع المهام الإدارية. فمؤسسة تضم مئات التلاميذ، وتتوفر على ساحات وممرات ومرافق متعددة، وتعرف حركة متصلة في أوقات الدخول والخروج والاستراحة والتنقل، لا تكون المراقبة فيها فكرة مجردة، بل عملا يحتاج إلى موارد بشرية موزعة في الزمان والمكان معا. فكلما انخفض عدد المكلفين بهذه الوظائف، من دون أن ينخفض حجم المؤسسة ولا عدد تلاميذها ولا تعقيد حياتها اليومية، اتسعت الفجوة بين ما يُفترض أن يتم وما يمكن فعلا تغطيته على أرض الواقع.
وهنا نبلغ السؤال الأشد حساسية: ماذا يحدث حين يقع حادث لتلميذ داخل المؤسسة؟ في تلك اللحظة تنسحب اللغة العامة عن النجاعة والحكامة، وتحضر لغة المسؤولية بكل ثقلها: من كان مكلفا بالمراقبة؟ من كان موجودا؟ من كان يُفترض أن يتدخل؟ هل كانت التعليمات واضحة؟ هل كانت التغطية البشرية كافية؟ وهل كان بالإمكان، في تلك الظروف، توقع الحادث أو منعه؟
أسئلة مشروعة، بل ضرورية، لأن سلامة التلاميذ ليست تفصيلا إداريا. لكن مشروعيتها لا تعني أن الجواب يبدأ دائما بالبحث عن شخص بعينه وتحميله المسؤولية قبل النظر في الظروف التي أحاطت بالفعل. فالمسؤولية القانونية، ولا سيما الجنائية، لا تقوم لمجرد حمل صفة وظيفية، وإنما تتحدد بالوقائع والواجبات القانونية، وبالفعل أو الامتناع، وبالظروف والعلاقة السببية، وبما يمكن إثباته في كل حالة. ولذلك فإن موقع الحارس العام الحساس في تدبير الحياة المدرسية قد يجعله معنيا بالبحث في بعض الوقائع، لكنه لا يحوّله تلقائيا إلى مسؤول جنائي عن كل حادث يقع داخل المؤسسة.
وما ينطبق على الحارس العام ينطبق بالقدر نفسه على المدير: شغور المنصب لا يُنصِّب المدير حارسا عاما بقوة الفراغ، ولا يحوّل كل مهمة كانت مرتبطة بذلك المنصب إلى التزام شخصي غير محدود على عاتقه. فإذا كانت المسؤولية تفترض واجبا محددا، فإن الواجب يفترض بدوره تنظيما واضحا ووسائل معقولة لأدائه. ومن هنا يصبح لزاما، عند تقييم أي واقعة، ألا يُنظر إلى النتيجة وحدها، بل إلى الشروط التي سبقتها.
وبعبارة أخرى، لا يكفي أن نسأل: لماذا لم تتم المراقبة؟ ينبغي أن نسأل قبلها: كيف كان يفترض أن تتم؟ ومن كان مكلفا بها؟ وكم عدد المتوفرين لأدائها؟ وما حجم المؤسسة؟ وما طبيعة الفضاءات التي ينبغي تغطيتها؟ وهل كان توزيع المهام يسمح أصلا بمراقبة مستمرة؟ هذه الأسئلة لا تُعفي أحدا من مسؤوليته إذا ثبت خطؤه، لكنها تمنع، في المقابل، أن يتحول الخصاص البنيوي إلى خطأ شخصي بصورة آلية.
ولأن الوقاية من الحوادث تسبق التحقيق فيها، فإن توفير الموارد البشرية الملائمة ليس مطلبا مهنيا يخص المديرين والحراس العامين وحدهم، بل هو جزء من سياسة حماية المؤسسة وتلاميذها. فالمؤسسة التي تعاني نقصا مزمنا في الأطر المكلفة بالتتبع والحراسة لا تحتاج إلى موظفين إضافيين لتخفيف الضغط عن العاملين فحسب، بل لتقليص مناطق الفراغ التي قد تتحول، عند وقوع حادث، إلى مصدر للتساؤل والمساءلة.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي أن تقتصر المعالجة على سد المناصب الشاغرة كلما ظهرت؛ فالمشكلة أعمق من فراغ يملأ. المطلوب تشخيص فعلي للخصاص الإداري داخل المؤسسات، وربط عدد الحراس العامين بحجم المؤسسة وعدد تلاميذها ومرافقها وطبيعة الضغط الذي تعرفه، ثم تحديد المهام والمسؤوليات بين المدير والحارس العام وباقي المتدخلين تحديدا يمنع ذلك التداخل الذي يجعل الجميع معنيا بكل شيء، ولا أحد معنيا بشيء على وجه الدقة.
وبالموازاة، تبرز الحاجة إلى مساطر واضحة للتعامل مع الحوادث المدرسية، تحدد إجراءات التدخل والتوثيق والتبليغ، وتضمن وضوح الأدوار في الحالات الطارئة. أما المواكبة القانونية والمهنية للأطر الإدارية عند تعرضها للمساءلة، فلا تعني البحث عن إعفاءات مسبقة، وإنما ضمان التمييز بين الخطأ الشخصي الثابت والاختلال الناتج عن نقص في الموارد أو غموض في توزيع المسؤوليات.
والأهم من ذلك كله ألا تُصنع القرارات المتعلقة بالبنية الإدارية للمؤسسات بعيدا عن واقعها اليومي. فالمديرون والحراس العامون وباقي الأطر التي تعيش تفاصيل المؤسسة يعرفون، بحكم الممارسة، الفرق بين ما يبدو ممكنا في الوثائق وما يمكن تنفيذه فعلا وسط مئات التلاميذ، وتعدد المرافق، وتنوع الحالات، وضغط الزمن. وإشراكهم في تشخيص الخصاص وبناء الحلول ليس امتيازا مهنيا، بل شرط من شروط واقعية القرار الإداري.
في النهاية، ليست المفارقة في أن الحارس العام غاب، بل في أن وظيفته غابت من الهيكلة وبقيت الحاجة إليها في الواقع، ثم عولجت المفارقة بمنطق من كلمتين: دبّروا الأمر. وحين تتكرر «دبّروا الأمر» مرة بعد أخرى، يتحول التدبير إلى ترحيل للمسؤولية، ويتحول الخصاص من حالة استثنائية إلى طريقة في اشتغال المؤسسة، وتصير الحكامة المطلوبة من الإدارة أن تؤدي مهاما أكثر بعدد أقل، ثم تتحمل نتائج أي خلل يظهر في الطريق.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق سؤال المسؤولية أبسط وأعدل: هل وفّرنا أصلا شروط تحمُل المسؤولية؟ فإذا أردنا مؤسسة آمنة ومنظمة وفعالة، فلا يكفي أن نطالب العاملين فيها بمزيد من اليقظة والانضباط والنجاعة؛ ينبغي أن نوفر لهم العدد الكافي، والمهام الواضحة، والوسائل المناسبة. أما أن نحذف المنصب ونُبقي المهمة، ثم نحذف الوسائل ونُبقي المسؤولية، فتلك ليست حكامة بقدر ما هي نقل هادئ للعبء من مكتب إلى مكتب، إلى أن يستقر أخيرا على مكتب المدير، ومعه العبارة السحرية نفسها: «المؤسسة ستدبّر أمرها”…

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة