
بقلم ذ أمين اسبايس طالب متدرب بسلك الإدارة التربوية ****أصبحت المدرسة المغربية اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالانفتاح على محيطها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، باعتبارها مؤسسة مجتمعية تتقاسم مسؤولية التربية والتكوين مع مختلف الفاعلين والشركاء. وفي هذا السياق، تبرز جمعية أمهات وآباء وأولياء التلميذات والتلاميذ، باعتبارها إحدى أهم آليات المشاركة المواطنة داخل منظومة التربية والتكوين، لما تضطلع به من أدوار في تعزيز التواصل بين الأسرة والمؤسسة التعليمية، والمساهمة في الحد من الهدر المدرسي وتحقيق الارتقاء بجودة التعلمات والنهوض بأنشطة الحياة المدرسية.وقد شهد الإطار القانوني المنظِّم لهذه الجمعيات تطوراً ملحوظاً، خاصة بعد صدور القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، ثم المرسوم رقم 2.20.475 المحدد لقواعد اشتغال جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلميذات والتلاميذ وأدوارها ومهامها في علاقتها بمؤسسات التربية والتعليم، وعدد من المذكرات التنظيمية التي تسعى إلى نقل هذه الجمعية من وضعية الشريك العرضي إلى وضعية الفاعل المؤسساتي المساهم في تحقيق أهداف المدرسة المغربية.
ويؤكد المرسوم 2.20.475 أن هذه الجمعيات تهدف إلى تأطير وتيسير انخراط الأسر في الشأن التربوي والإسهام في تطوير أداء المؤسسات التعليمية بمختلف أسلاكها والرفع من جودة خدماتها التربوية. وهو بذلك يكرس دورها كقناة مؤسساتية للحوار والتواصل بين الأسر والإدارة التربوية وهيئة التدريس، بما يساهم في توحيد الجهود لتحقيق مصلحة المتعلم، ويحد من حالات سوء الفهم والصراع التي قد تنشأ بين مختلف الأطراف، ويؤكد دورها الهام في تتبع أوضاع المتعلمين المتعثرين أو المهددين بالانقطاع عن الدراسة، ضمانا لتحقيق جودة التعلمات وتقليص الهدر المدرسي، هذا إلى جانب دورها في تحسيس الأسر بأهمية مواظبة أبنائهم على الدراسة، خاصة في الوسط القروي والمناطق الهشة.
كما أصبحت جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلميذات والتلاميذ، بموجب المرسوم 2.20.475، شريكاً أساسياً في إعداد وتتبع وتقويم مشاريع المؤسسة، بما يعزز المقاربة التشاركية في التخطيط التربوي ويساهم في تعبئة الموارد اللازمة لتنزيل المشاريع التربوية، وذلك عبر مساهمتها في تنظيم الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية والاجتماعية، وتدعيم الأندية التربوية وبرامج المواطنة والقيم، بما يجعل المؤسسة التعليمية فضاءً جاذباً ومحفزاً للتعلم. كما أنها تقوم بدور الوسيط بين المؤسسة التعليمية ومختلف الشركاء المحليين من جماعات ترابية وجمعيات المجتمع المدني ومؤسسات اقتصادية، قصد توفير الدعم المادي واللوجستيكي للمؤسسة.
وبهذا تكون هذه الجمعية آلية ميدانية لتجسيد الديمقراطية التشاركية داخل المؤسسة التعليمية من خلال مساهمتها في بلورة التصورات والبرامج والمشاريع التي تستهدف تحقيق الأهداف الكبرى لمنظومتنا التربوية، المتمثلة أساسا في تحسين جودة التعلمات والحد من الهدرالمدرسي والمساهمة في تنشيط الحياة المدرسية وغيرها من الخدمات التربوية.
إلا أنه رغم الأهمية الاستراتيجية لهذه الجمعية، فإن الواقع الميداني يكشف جملة من التحديات التي تواجه القائد التربوي في تدبير علاقته مع أعضائها، ولعل من أبرزها نذكر:
• افتقاد بعض أعضاء المكاتب المسيرة لـ ج.أ.آ.ت إلى المعرفة الدقيقة بالنصوص القانونية والتنظيمية المؤطرة لاختصاصاتهم، مما يؤدي أحياناً إلى خلط بين أدوار الجمعية واختصاصات الإدارة التربوية.
• معاناة العديد من الجمعيات من محدودية انخراط الآباء والأمهات في أنشطتها واجتماعاتها، مما ينعكس سلباً على تمثيليتها وقدرتها على الاضطلاع بأدوارها.
• حصر دور الجمعية في بعض المؤسسات في جمع المساهمات المالية أو تنظيم بعض المناسبات، دون الانخراط الحقيقي في القضايا التربوية المرتبطة بالأهداف العامة لمنظومة التربية والتكوين.
• ضعف آليات الحكامة والشفافية والمحاسبة في تدبير الموارد المالية أحياناً يثير خلافات بين الإدارة والجمعية بسبب غياب الكفايات التدبيرية.
• تحول بعض الجمعيات إلى فضاء للصراع الانتخابي أو وسيلة لتحقيق مصالح شخصية، مما يؤثر سلباً على رسالتها التربوية ويضع المدير أمام تحديات تدبيرية معقدة.
ولتجاوز هذه الإكراهات، يتعين العمل على:
• تعزيز التكوين القانوني والتدبيري لأعضاء جمعية أمهات وآباء وأولياء التلميذات والتلاميذ.
• ترسيخ ثقافة الشراكة المبنية على الثقة والاحترام المتبادل.
• إشراك الجمعية في مختلف مراحل مشروع المؤسسة المندمج.
• اعتماد آليات واضحة للتواصل والتشاور المنتظم.
• تطوير قدرات الجمعية في مجال التخطيط والتدبير المالي عن طريق التكوين والتأطير.
• إرساء ثقافة الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
• توجيه جهود الجمعية نحو دعم التعلمات والحد من الهدر المدرسي وتحسين الحياة المدرسية. انسجاما مع الأهداف المسطرة في التوجهات الكبرى لمنظومة التربية والتكوين ببلادنا.
إن جمعية أمهات وآباء وأولياء التلميذات والتلاميذ ليست مجرد إطار قانوني للتواصل بين الأسر والمؤسسات التعليمية فحسب، بل تعد شريكاً استراتيجياً في تحقيق غايات المدرسة وظائفها وأهدافها المتوافق بشأنها في سائر المرجعيات الوطنية الموجِّهة للإصلاح منذ الميثاق الوطني للتربية والتكوين إلى اليوم. غير أن تحقيق هذه الشراكة يظل رهيناً بقدرة المدير/القائد التربوي على بناء علاقة مؤسساتية متوازنة مع الجمعية، قائمة على التعاون والثقة والوضوح في الاختصاصات والمسؤوليات. فكلما نجحت المدرسة في تعبئة الأسر وإشراكها في المشروع التربوي، ازدادت فرص تحقيق الجودة والإنصاف والارتقاء بالتعلمات، وهي الأهداف الكبرى التي تراهن عليها المنظومة التربوية المغربية في الوقت الراهن.
المراجع
1. دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
2. ظهير شريف 1.58.376 المتعلق بتأسيس الجمعيات (ظهير الحريات العامة).
3. القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.
4. المرسوم رقم 2.20.475 الصادر في 20 يوليوز 2021 بتحديد قواعد اشتغال وأدوار ومهام جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلميذات والتلاميذ في علاقتها بمؤسسات التربية والتكوين.
5. المذكرات الوزارية المنظمة للعلاقة بين المؤسسات التعليمية وجمعيات أمهات وآباء وأولياء التلميذات والتلاميذ.
6. المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030.
7. خارطة الطريق 2022-2026 من أجل مدرسة عمومية ذات جودة.
المصدر : https://www.safinow.com/?p=23631


عذراً التعليقات مغلقة