قبل أن تحاصر آسفي بالإسمنت، كان هناك واد أسيف، قلب المدينة ومصدر حياتها. فـ“أسيف” بالأمازيغية يعني الوادي، ونمت المدينة حوله، تشكلت هويتها، وازدهرت صناعة الفخار والخزف على ضفافه، كما امتدت جنان وبساتين وأراضٍ خصبة، فضاءً للعيش والاستجمام.يتجسد الوادي في الشعبة، سفحين متقابلين يمر بينهما مجرى موسمي يصل إلى المحيط الأطلسي على طول يقارب 12 كيلومترا، ويعد واحدا من ثلاثة أودية كانت تحيط بالمدينة، إلى جانب واد الباشا وواد إيغزر. كان الوادي رئة بيئية، يلطف المناخ، يوفر المياه، ويربط أحياء المدينة ببعضها، بما فيها سيدي عبد الكريم، الشنقيط، بياضة، درب مولى الحسن وأشبار.
غير أن قوته الطبيعية سببا في فيضانات تاريخية مدمرة، ومع تدخلات الحماية وتحريف مجراه، تحول الوادي من رابط وحياة إلى حاجز وفصل. وتم الهجوم على قلب الوادي في منطقة سيدي عبد الرحمان، وإفراغ البراج من الماء كمنطقة سياحية واجتماعية، ليحلّ مكانه مساكن إسمنتية بلا روح. واليوم، الواد مقصي نهائيا من مخططات المدينة، بل صار كممر للهدم والتوسع الإسمنتي دون احترام للماضي ولا للرئة الطبيعية.
هذا الإجراء أثر أيضًا على الأطفال والساكنة، فكل ابن آسفي حقيقي كان يمر عبر الوادي، مارًا بين الجنانات والأشجار والأراضي الفلاحية، مستخدما مسالك حجرية صغيرة للذهاب إلى المدرسة، أو للعب والاستجمام، ليصبح الوادي جزءا من الذاكرة اليومية والجغرافيا العاطفية للمدينة.
اليوم، إعادة الاعتبار للواد العظيم ليست ترفا، بل ضرورة حضرية وبيئية وحقوقية. يمكن للوادي أن يعود رئة آسفي عبر رؤية حضرية مندمجة:
• أحزمة خضراء وتشجير واسع يحمي المناخ ويضفي جمالا طبيعيا على المدينة.
• حدائق وجنانات تعكس تاريخ المكان وروح الحي.
• منتزه رياضي وثقافي يربط المجتمع بالطبيعة.
• مسارات للمشي والدراجات تربط الضفتين.
• بحيرات صناعية وأحواض احتواء المياه الموسمية (bassin d’orage) لإدارة الفيضانات وحماية المدينة.
• جسور حضرية وجمالية تدمج المدينة بدل أن تفصلها.
أسيف ليس مجرد واد… إنه قلب آسفي ورئتها التي تنتظر أن تتنفس من جديد، ومكان الذكريات التي يجب أن تحيا مع المدينة.
الموذن نبيل
المصدر : https://www.safinow.com/?p=22654





عذراً التعليقات مغلقة