بقلم طلحة جبريل *** حزنت كثيرًا على رحيل الصديق نجيب السلمي. عندما تلقيت الخبر في الدوحة، عشت يوماً طويلاً مع السهاد.ما جعل الحزن يتضاعف أنني لم أزره في المستشفى بعد مرضه، بسبب الركض بين المدن.
عندما نُقل إلى منزله بعد أن تدهورت صحته، أصبحت زيارته واجباً، لكن زوجته رأت أنه يعيش في غيبوبة، وأن الأفضل عدم زيارته وهو في تلك الحالة.
بدأت علاقتي مع نجيب السلمي عندما كنت محرراً في صحيفة “العلم”، وكان يشرف آنذاك على الصفحات الرياضية في صحيفة “لوبنيون”. اقترح عليّ أستاذي محمد العربي المساري العمل في الصفحة الأولى كل يوم أحد، بلغة الصحافة “إغلاق الصفحة الأولى”، وبما أن الأحد يوم الرياضة، إذ تُجرى فيه جميع مباريات كرة القدم، كان نجيب السلمي يشرف على صفحات الرياضة في لوبنيون من الألف إلى الياء. كنت ألتقيه في مكتبه بانتظام، وكذلك أثناء تركيب صفحات العلم ولوبنيون عن طريق تنضيد الحروف المعدنية أو ما يُعرف بـ”التنضيد بالرصاص الساخن”.
استفدت كثيراً من معرفة السلمي برؤساء فرق الدرجة الأولى، وعدد منهم كانوا يجمعون بين السياسة والرياضة، وكانوا يزورون مبنى العلم و لوبنيون للقاء نجيب السلمي وتزويده بالأخبار.
في ذلك الزمان كان صناع القرار يبحثون عن الصحافيين، وبالتالي كنت أستفيد أنا أيضاً من بعضهم في الحصول على أخبار للصفحة الأولى.
ظلت علاقتي وطيدة مع السلمي رغم أنني غادرت “العلم” وانتقلت للعمل في صحيفة “الشرق الأوسط”.
بشأن توقيعه باسم مستعار، كنت أقول دائمًا لطلابي إن الصحافي من حقه أن يغيّر توقيعه إذا كان الاسم غير ملائم، فيختار أن يوقّع باسمه الشخصي، ويضيف اسم الأب أو الجد، وأفضل مثال أستند إليه هو نجيب السلمي، أحد أبرز الصحافيين الرياضيين وصاحب العمود الشهير “نقاط على الحروف”. إذ اسمه الحقيقي كان “سعيد حجاج”، لكنه اختار أن يوقّع باسم “نجيب السلمي”.
في سنواته الأخيرة انتقل نجيب السلمي إلى الدار البيضاء ليعمل في إحدى الإذاعات. شاءت الصدفة أن ألتقيه هناك ذات يوم، إذ كنت أرافق مجموعة من طلابي لزيارة معرض “الطيب الصديقي” في محطة القطار بالدار البيضاء، تحت شعار “فنان وذاكرة”. في مدخل المحطة صادفت نجيب السلمي، وقدمتُه لطلابي، وكانت لحظة مليئة بالمفارقة والحنين.
غاب نجيب السلمي عن دنيا الناس وترك لنا الأحزان، لكن الأهم أنه ترك خلفه صفاته الرائعة و مهنيته الرفيعة.
رحل نجيب السلمي، لكن نقاطه على الحروف ستظل شاهدة على مهنية رفيعة وذاكرة لا تنطفئ، تماماً كما يبقى أثر المطر في الأرض بعد أن يجف.
في حياة الصحافة، هناك أسماء لا تُنسى، لأنها لم تكن مجرد أقلام تكتب، بل كانت أرواحاً تُضيء المهنة وتمنحها معنى. نجيب السلمي واحد من هؤلاء؛ صديق رحل بالجسد، لكنه بقي حاضراً في الذاكرة، وفي كل سطر كتبه، وفي كل صفحة أُغلقت على يديه.
رحيله لم يكن خبراً عابراً، بل لحظة ثقيلة حملت معها حزناً مضاعفاً، وذكريات لا تزال تتردد بين مكاتب الصحف القديمة، وبين أصوات المباريات التي كان يترجمها إلى كلمات نابضة بالحياة.
رحمه الله رحمة واسعة.
المصدر : https://www.safinow.com/?p=23037





عذراً التعليقات مغلقة