
سيف الٱسلام لدهمطالب باحث بماستر الجغرافيا الاقتصادية والسياسية لأفريقيا .
يشهد الشرق الاوسط منذ عقود توترا مستمرا بين ايران والولايات المتحدة يفسر غالبا على انه مواجهة عقائدية او دينية غير ان القراءة الجيوسياسية تكشف ان جذوره الحقيقية ترتبط بالصراع على النفوذ والطاقة وموازين القوى في النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية
تعود بداية هذا التوتر الى عام 1953 عندما قرر رئيس الوزراء الايراني محمد مصدق تاميم صناعة النفط الايرانية التي كانت تهيمن عليها الشركات الغربية في مرحلة كان النفط يمثل اساس القوة الصناعية والعسكرية للدول الكبرى اثار القرار رد فعل قويا من بريطانيا والولايات المتحدة فتم تنفيذ عملية سرية ادت الى اسقاط حكومة مصدق واعادة تثبيت حكم الشاه محمد رضا بهلوي اصبحت ايران حليفا استراتيجيا لواشنطن في اطار سياسة احتواء الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة
ومع ذلك ادى هذا التحالف الى شعور متزايد داخل المجتمع الايراني بفقدان السيادة الوطنية خاصة مع توسع النفوذ الامريكي في مؤسسات الدولة ومنح العسكريين الامريكيين حصانة قانونية داخل ايران غذى ذلك خطاب المعارضة الدينية والسياسية التي قادها روح الله الخميني الذي انتقد بشدة علاقة الشاه بالغرب ودعا الى استعادة الاستقلال السياسي والثقافي للبلاد تراكم هذا الاحتقان الشعبي لعقود وانفجر في الثورة الاسلامية عام 1979 التي اطاحت بنظام الشاه واعلنت قيام الجمهورية الاسلامية مما اعاد تعريف موقع ايران في النظام الدولي بشكل جذري
في السنة ذاتها اقتحم طلاب ايرانيون السفارة الامريكية في طهران واحتجزوا دبلوماسيين امريكيين لاكثر من عام في حادثة عمقت العداء بين البلدين ورسخت شعورا متبادلا بعدم الثقة والعداء في الذاكرة السياسية للطرفين
خلال الثمانينيات تحولت الحرب العراقية الايرانية الى ساحة صراع غير مباشر بين القوى الدولية حيث دعمت الولايات المتحدة العراق بهدف احتواء الثورة الايرانية ومنع امتداد نفوذها في المنطقة بينما اعتبرت ايران نفسها في مواجهة تحالف واسع يسعى الى اضعافها وخلال هذه الحرب وقع حادث اسقاط طائرة مدنية ايرانية عام 1988 فوق الخليج بعد استهدافها من قبل سفينة حربية امريكية وهو حادث ترك اثرا عميقا في الذاكرة الوطنية الايرانية
بعد نهاية الحرب الباردة شهدت العلاقات لحظات محدودة من البراغماتية مثل التعاون غير المباشر بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 حين ساعدت ايران في ترتيبات المرحلة الانتقالية في افغانستان غير ان هذا التقارب انتهى سريعا بعد تصنيف الولايات المتحدة ايران ضمن محور الشر عام 2002 مما اعاد الصراع الى واجهة السياسة الدولية
في السنوات اللاحقة اصبح البرنامج النووي الايراني محور التوتر الرئيسي ففرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها عقوبات اقتصادية واسعة على طهران قبل التوصل عام 2015 الى الاتفاق النووي الذي قيد البرنامج الايراني مقابل تخفيف العقوبات لم يكن الاتفاق مصالحة شاملة بل محاولة لادارة المخاطر وتقليل احتمالات التصعيد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 اعاد الازمة الى نقطة الصفر وادى الى تصاعد التوتر خاصة بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني عام 2020 في ضربة امريكية قرب بغداد وهو حدث كاد يدفع المنطقة الى مواجهة واسعة قبل ان ترد ايران بضربات محدودة
مع التحولات في النظام الدولي وصعود الصين كقوة اقتصادية كبرى وعودة روسيا كلاعب مؤثر اصبحت منطقة الشرق الاوسط جزءا من منافسة اوسع بين القوى الكبرى يتقاطع الصراع الايراني الامريكي مع صراع حول مستقبل النظام العالمي ومصادر الطاقة وطرق التجارة الدولية في هذا السياق يبرز مضيق هرمز كاحد اهم الممرات الاستراتيجية في العالم اذ مر عبره في عام 2025 نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمنتجات النفطية اي حوالي 25 بالمئة من تجارة النفط البحرية العالمية و80 بالمئة منها متجهة الى اسيا
لم يقتصر الصراع على المواجهة المباشرة بل تحول الى حروب بالوكالة في العراق وسوريا واليمن ولبنان مع دور اسرائيلي محوري كحليف امريكي استراتيجي يرى في ايران تهديدا وجوديا شهدت الفترة من 2021 الى 2025 محاولات فاشلة لاحياء الاتفاق النووي ثم تصعيدا دراماتيكيا في 2025 و2026 في يونيو 2025 شنت اسرائيل هجمات واسعة على منشات نووية ايرانية تلتها ضربات امريكية محدودة على مواقع نووية رئيسية مثل فوردو ونطنز واصفهان فيما عرف بحرب الاثني عشر يوما ادت تلك الهجمات الى تاخير البرنامج النووي الايراني لاشهر او سنوات لكنها لم تقض عليه نهائيا
في فبراير 2026 شنت الولايات المتحدة واسرائيل عملية مشتركة واسعة النطاق عملية Epic Fury شملت مئات الضربات على قيادات ايرانية وعسكرية ونووية اسفرت عن مقتل المرشد الاعلى علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين ردت ايران بضربات صاروخية وطائرات مسيرة على قواعد امريكية واسرائيلية ودول خليجية واعلنت اغلاق مضيق هرمز فعليا منذ مارس 2026 مع مهاجمة سفن تجارية وناقلات نفط مما ادى الى انخفاض حركة الملاحة بنسبة تفوق 90 الى 97 بالمئة وارتفاع اسعار النفط العالمية بشكل حاد حيث تجاوز برميل برنت 100 دولار في مراحل معينة واطلاق وكالة الطاقة الدولية احتياطيات استراتيجية بكميات غير مسبوقة تحول الصراع الى مواجهة عسكرية مباشرة محدودة مع تداعيات اقتصادية عالمية واسعة خاصة على الاقتصادات الاسيوية المعتمدة على النفط الخليجي
لا يمكن اختزال هذه التوترات في مواجهة عقائدية او صراع ايديولوجي بسيط انها نتيجة تراكم تاريخي طويل من الاحداث والتنافس الجيوسياسي على النفوذ والموارد ومكانة الدول في نظام دولي متغير يجمع الصراع بين ابعاد واقعية السيطرة على الطاقة والممرات وابعاد ايديولوجية تشكل الهويات والعداء المتبادل ويتطلب اي حل مستقبلي فهما دقيقا لهذه الجذور بعيدا عن التبسيط
المصدر : https://www.safinow.com/?p=23156


عذراً التعليقات مغلقة