كلمة العدد بقلم ** المدير المسؤول ومدير النشر عبد الهادي احميمولا تستطيع جريدة “أسفي الآن”، ولا أي جريدة أخرى في أي مكان، أن ترسم ملامحها وتحدد هويتها منذ العدد الأول أو الثاني. لكنها تحاول أن تقدم أولى إشارات طموحها واتجاهها عبر الطريق الصحفي الطويل والصعب. وليس من المبالغة أن نقول إن إصدار هذه الجريدة منذ سنوات، والذي تذبذب بين الظهور والاختفاء، وهو يحمل طموحًا يسعى إلى الجدية والإبداع والتنوير، يمثل مغامرة حقيقية: مغامرة البحث عن الطريق الصحيح، والسفر خارج ما هو معتاد ومكرر ومستنزف.
وهذا ما تظهره ردود الفعل المختلفة تجاه الجريدة منذ عددها الأول؛ ردود فعل من كتّاب ومؤسسات وصحافة وفئات متعددة، تتراوح بين الفرح الكبير وهو الأغلب، وبين النقد الحقيقي البناء الذي نستمع له ونستفيد منه، وبين الهجوم الواعي الذي يعرف أهدافه، والهجوم الجاهل الذي يحمل عداءً دون سبب. فدائمًا هناك من يحكمون مسبقًا ويعمون التقليد دون تفكير، ولا يمكن إقناعهم مهما كانت أهمية الجريدة ومستواها.
وهذا الدور التنويري والتحديثي، في مناخ مختلف، رغم أنه أصبح أمرًا بديهيًا، إلا أنه يظل بديهية تحتاج إلى نقاش متجدد مع المتغيرات والمراجع، وفي ظل ظروف واقعية خاصة. وما زلنا بحاجة إلى العودة إلى هذه البديهيات ومناقشتها، ربنا في منطقتنا أو في المغرب كله. كم نحن بحاجة إلى العودة إلى كثير من الأفكار الأساسية وفحصها بواسطة مثقفينا ومفكرينا، وذلك بشرح السياقات المختلفة لنشأتها وتاريخها وتطورها، في زمن انفجرت فيه كل المفاهيم التي سادت لفترة، ثم أثبتت الوقائع والأحداث أنها أصبحت فاسدة وبالية.
كم نحن بحاجة إلى ممارسة التنوير والإبداع في ظل واقع يوصف – حتى من قبل الآخرين، ومن قبل أبناء بلدنا الذين يشاركوننا القيم والهموم – بطريقة خاطئة، بأنه واقع نفط وبذخ وليس واقع إبداع وابتكار. وبهذا الشكل، تتصاعد سحب النفط وسرابه عند بعض الكتاب لتغطي حقائق الواقع الحقيقي، وتخفي مكانة التاريخ والخيال وما يبدعه الإنسان (بتحويله إلى أسطورة وغموض)، وتجعل منا أسرى ملفوفين ومكررين داخل هذه الشرنقة من الأفكار المريضة والخرافية.
والرد الوحيد، كما سبق أن أشرت، ليس في النقاشات الفارغة، بل في الممارسة الثقافية والإبداعية، وفي إطلاق طاقة التفكير والتخيل والتجديد. في كل الأحوال، هذه الصورة تعكس وضعًا طبيعيًا لردود فعل الناس تجاه أي مشروع أو فكرة جديدة، خاصة في مجال الثقافة والفنون والمعرفة.
نحن لا نبدأ من الفراغ في إنشاء جريدة وتأسيسها، فادعاء الفراغ هذا غير حقيقي. أمامنا تراث الثقافة العربية بما فيه من مجلات وصحف ومنابر، لكننا لا نستطيع – ولا يخطر ببالنا – أن ننسخ ذلك التراث بظروفه الخاصة من زمن ومكان، لأن ذلك سيذيب طموحنا في كلام عام وفقدان لخصوصية مدينة أسفي وثقافتها وعناصرها المختلفة. فرحلتنا داخل هذه المدينة، بما فيها من تضاريس وإنسان وتاريخ (قديمًا وحديثًا)، هي شاغلنا الأساسي الذي ننطلق منه لنرى التفاعل الخلاق بين مختلف روافد الثقافة الأسفية والمغربية والعربية وجغرافياتها المتعددة والمتنوعة.
وفي سياق طموحنا إلى التعددية في المغرب وإلى التواصل مع ثقافة العصر المليئة بالتيارات والاتجاهات المختلفة، مع الاهتمام بالخصوصية وإبداعها، نطمح إلى أن تكون جريدة “أسفي الآن” متنوعة وشاملة في الآراء والتعبيرات الفنية والثقافية والسياسية والرياضية، وكذلك في تنويع المواد وعدم حصرها في اتجاه واحد. نريدها مرآة تعكس كل الثقافة والفن والفكر، وهذا يعني محاولة جمع عناصر جريدة تشمل موضوعات تمتد من التحقيقات الصحفية الحية والتاريخية، إلى الإبداعات الأدبية والشعرية والمسرحية والسينمائية والموسيقية، وصولاً إلى النظريات الفكرية والأدبية، وذلك ضمن وحدة شاملة تسعى الجريدة إلى تطويرها وتوسيعها عددًا بعد آخر.
كل مشروع، وكل وضع يسعى إلى الأفضل والآتي في المسار الثقافي والحياتي، لا بد أن يعتمد على الطموح والحلم والأمل بالمعنى العميق لهذه الكلمات التي أصبحت مستهلكة في الاستعمال العربي، فلا تعطي معنى حقيقيًا، بل قد تعطي المعنى المعاكس. فعندما ننظر إلى وضعنا الثقافي، يجب أن تتعدد زوايا النظر إليه. فلا ننظر فقط إلى سلبياته وأراضيه الجافة الخالية (مع أن هذا قد يكون أحد خياراتنا)، بل ننظر إلى ما يمكنه النهوض والانبعاث، قديمًا وحديثًا. وننظر إلى ما يستحق منا أن ننفق عليه تعب أيامنا ومعاناتنا في الحياة، وهو موجود حقيقي وله قيمته كاختيار للحياة والكتابة، حتى لو كان في بداياته الأولى، فنحن نسعى للأفضل والأبقى بعيدًا عن صخب الشهرة وبريقها السريع.
فالإعلام، في جزء كبير منه، أصابه مثلما أصاب أنماط الحياة والسلوك من مرض المظاهر والسهولة، الذي يأخذ من نتاج الأقلام والمجلات والصور البصرية المسيطرة، ويحاول تكريس كل ما هو رخيص ووحشي في النفس البشرية. وأصبح المجال الثقافي الذي يستهدف الحياة في صورتها الأجمل والأرقى، ويستهدف تراث المجتمع وأسلافه الروحي كشاغل للتجديد والاستمرار (وهو أمر لا مفر من التمسك بأسبابه المتجددة)، أصبح الإقبال عليه صعبًا، ويحتاج إلى جهود كبيرة لقبول جزء منه، وهذا يضع العبء الأكبر والأكثر حساسية في التقاط الجوانب المشرقة من التراث، وتنظيفها من غبار الأزمنة بتجديدها وتقديمها للأجيال الجديدة بشكل يتناسب مع معطيات الحياة والعصر، وبأسلوب قريب من متعة المعرفة والآفاق.
أحد محاور الصراع في تاريخ البشرية كان صراع الذاكرة بين من يريدون محوها وتدميرها من أجل معرفة جديدة، أو بالأحرى من أجل وهم معرفي ليس له أصل ولا جذور ولا تراب. وعلى هذا الأساس، تمت إبادة شعوب وقيم ومجتمعات، حيث قُذفت خارج ذاكرتها وتاريخها وزمنها. فالحفاظ على الذاكرة وأصولها وامتدادها عبر الأجيال هو حفاظ على جوهر الفرد والمجتمع، وحفاظ على المسار الطبيعي لتاريخ الإنسان. وما التراث والتحديث إلا وجهان يدخلان بالضرورة في هذا السياق، دون أي جدال عقيم، من أجل الحماية والاحتماء بالذاكرة في صراعها الأبدي.
ليس هناك اتجاه واحد يملي شروطه ويحدد مسار الجريدة، بل نحاول في حدود إمكانياتنا أن نكون منبرًا مفتوحًا على أكثر من مدرسة واتجاه، وأكثر من رؤية ووجهة نظر في الأدب والثقافة، ضمن حدود القيم المعرفية المتعددة، والمتنافسة أحيانًا في الإطار نفسه، دون أن نسقط في التسطيح باسم التعددية. ليس هناك اتجاه معين يفرض صرامته على الجريدة، كما تشيع ثقافة الإشاعة في البلاد قبل صدورها (أملاً في ألا تصدر) وبعد بدء صدورها، وكما يروج أولئك الذين يضيقون بأي شيء جديد خارج نطاق العادة المتراكمة عبر عصور الجمود والتخلف، وكما يروج أيضًا أولئك الباحثون عن دور لم يستطيعوا إيجاده في أرض الإبداع والكتابة والحياة، فتحولوا إلى أشباح لإبداعات وهمية، وبطريقة “لا ذا وعاه ولا ذا حصل”، لم يبق أمامهم سوى سقف الثرثرة ومضغ خرق الكلمات البالية.
الجريدة ليست من ذلك في شيء، وإلا لما كلفنا أنفسنا مسؤولية كهذه في وقت لم نعد نستطيع تبديده بترك الأمور بلا ضابط، في وقت نحتاج فيه إلى كل لحظة منه. لكن مسؤولية إصدار الجريدة بهذه الطريقة، في ظل ظروف خاصة بمدينة عمانية، ومحاولة إثراء وضعنا الثقافي بقدر استطاعتنا، ليس إضاعة للوقت، بل هو مسؤولية جوهرية، وإضافة لتراث الثقافة والتاريخ، ومحاولة للإمساك بالزمن من ناصية الحقيقة.
الجريدة، بهذا المعنى، هي ملك لكتّابها، وملك للآراء والإبداعات المستنيرة والصادقة من كل الاتجاهات والأعمار والجهات.
المصدر : https://www.safinow.com/?p=23673





عذراً التعليقات مغلقة