مراني الناجي *** لا يستطيع المسرح أن يتذكر تاريخ ميلاده الشقي، ولا صرخة ولادته المبهمة، ولكنه غير قادر على نسيان تلك الساحات الرخامية، التي أُلْقِيَ فيها غريباً بين أحضان الملوك والأمراء، لقد سيق منتشياً بلعنة الطقوس، مختالاً بلغـته كالطاووس، قَـدَرياَ في صكوكه، نـخـبـوياً في شروده، مـتفـرداً في جنونه، وعلى الرغم من ذلك ولد بلا اسم، وبلا هـوية، ولد في كل المدن، ولكل المدن، ولكل الأزمنة والأمكنة.لا جـدال أن المسرح، بتجلياته التنظـيمية والديمقراطية، ظاهـرة إنسانية قديمة، فمن الداخل يبدو بـيتاً منظماً، مرتكزاً على أركان حضارة مدنية مبنية على الاختلاف والحوار والتعدد، وهذه المرتكزات تعـتبر من المؤشرات الرئيسية لبلورة الإرهاصات الأولية لميلاد فكرة الإنسان، والديمقراطية، والمدينة.
لا يمكننا تصور مسرح دون حوار، وبالتالي لا يمكن لأية ديمقراطية أن تنشأ في العالم
أو تتطور بدون حوار، فالحوار آلية من آليات الديمقراطية والحضارة التي أفرد لها المسرح في حيزه مساحة كبيرة في التفكير والتعبير، ولعل أفلاطون قد انتبه لذلك قديما فكانت جميع مؤلفاته الفلسفية عـبارة عن (محاورات)، حيث وجد في الحوار المكتوب ضالته، وقد أتقنه بشكل ملفت للنظر، شأنه شأن الحوار غير المكتوب الذي أتقنه معلمه الساحر سقراط، فهو الوسيلة الأنجع لتكريس دولة التواصل، والفلسفة والديمقراطية.
مـن هـذا المنعطف، إذن، يعتبر مسرح الأحياء فـنّاً من فنون المرافعة الدرامية للعرض الجماهيري، وأحد الأشكال الجديدة التي تجسد فلسفة القرب، والتي يمكن اعتبارها أقرب إلى القطيعة الدرامية مع تقاليد العرض النخبوي السجين داخل قاعات العـروض الإسمنتية، فالمسرح بهذا المعنى مشروع جماهيري يتنفس خارج القاعات بحثاً عـن الجماهير وسـط الساحات والحارات، معبراً عن نبض كـل حـي، وانـشغـالاته الـفـكـرية والاجتماعية والسياسية.
ولا نـنسى أن مسرح الأحياء له خصوصيته من موقع مجال جغرافي متنوع تنتمي إليه أحياء شعـبـية متنوعة، يجعلنا ملزمين إلى الإنصات إليها وإلى تجاربها من منطلق خطاب مسرحي جديد ينبني على سؤال الهدم والنقد، والتفكيك والمعرفة.
وقد لا نجازف إذا قـلنا، إن تجربة مدينة أسفي بأحيائها المثقلة بهـمومها قد وجدت في مسرح الأحياء متنفساً لها، وقد نجحت في تصحيح تلك الصورة المغلوطة التي كرّستها ظروف اجتماعية معينة، وقد برهنت التجربة أيضاً أن بداخل أحيائنا الشعبية مواهب مطمورة، وملكات مقبورة، تحتاج فقط إلى الرعاية والتأطير.
المصدر : https://www.safinow.com/?p=22705





عذراً التعليقات مغلقة