ياسين الصقلي… هبة آسفي إلى العالم : الترحال كمدرسة للأخلاق والفكر

ياسين الصقلي… هبة آسفي إلى العالم : الترحال كمدرسة للأخلاق والفكر

-أسفي الأن
أخبار دولية
-أسفي الأن28 أغسطس 2025آخر تحديث : الخميس 28 أغسطس 2025 - 7:28 مساءً
1 - هشام الكدار – اسفي الان  **** منذ القدم شكل أدب الرحلة واحدا من أبرز أجناس الكتابة الإنسانية، فهو ليس مجرد وصف للمجال والبلدان، بل سجلٌ حي يكشف عن صورة الإنسان في مواجهته للمكان والآخر. فقد ترك الإغريق نصوصا عن أسفارهم، ودون العرب رحلاتهم الكبرى مثل رحلة ابن جبير، وصولًا إلى الرحالة المغربي عَبْدِ ٱللّٰهِ بْنِ مُحَمَّدٍ ٱللَّوَاتِيّ ٱلطَّنْجِيّ المعروف بابْنِ بَطُّوطَةَ، الذي جاب العالم ودون موسوعته  تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، وفي الغرب، برز ماركو بولو كرحّالة جسد روح المغامرة والاكتشاف في القرن الثالث عشر.

أدب الرحلة إذن ليس كتابة عن المكان فحسب، بل هو كتابة عن الذات في علاقتها بالآخر، عن الثقافة في تفاعلها مع الطبيعة، وعن القيم في اختبارها الاجتماعي.

2 -

في هذا السياق الممتد، يبرز اسم الرحالة المغربي ياسين الصقلي، ابن حاضرة المحيط “مدينة آسفي”. شاب انطلق في مغامرة استثنائية على دراجته الهوائية منذ سنة 2018، جاب خلالها عشرات الدول والقارات، من إفريقيا إلى آسيا وأمريكا اللاتينية. لم تكن رحلته مجرد مغامرة عابرة، بل تجربة عميقة تؤرخ لمرحلة جديدة من أدب الرحلة المغربي المعاصر.

لم يكن ياسين مجرد سائح أو مغامر؛ بل حمل معه قيما وأخلاقا جعلته رحالة استثنائيا. ففي كل بلد زاره كان يحترم عادات الناس وطقوسهم الدينية ومقدساتهم، ويتعامل مع الآخر بإنصات وتواضع. ولعل هذا الجانب الأخلاقي هو ما يميز فيديوهاته التي ينشرها على قناته باليوتيوب: فهي ليست مجرد لقطات سفر، بل شهادات إنسانية عن التعايش والاحترام المتبادل، وهنا نستحضر قول الفيلسوف كاسيرر : الإنسان كائن ذو طبيعة مزدوجة؛ بعد طبيعي يخضع لقوانين البيولوجيا، وبعد ثقافي يبدع عالمًا رمزيًا خاصًا به.  تجربة ياسين تجسد هذا القول بوضوح: فبين الطبيعة القاسية التي يواجهها، والثقافة التي ينخرط فيها، يبدع لنفسه ولغيره عالماً من التواصل والاحترام.

4 -

 ومن خلال تجربتي كمدرس دَرَّس الفلسفة، أجد في مسار ياسين الصقلي مادة غنية لتغذية درس “الثقافة” الموجّه لتلامذة الجذوع المشتركة. فعندما نناقش العلاقة بين الطبيعة والثقافة، نجد أن تجربته قد كشفت عن أبعاد فلسفية عميقة تتقاطع مع ما طرحه كبار المفكرين حول العلاقة بين الإنسان والطبيعة والثقافة. ففي مواجهته للطبيعة، بين الصحاري والجبال والبحار، يبرز معنى الصراع والانسجام مع البيئة في آن واحد، وهو ما يعيد إلى الأذهان تصور فرانسيس بيكون حول طموح الإنسان للسيطرة على الطبيعة، ذلك الطموح الذي يكون نبيلاً حين يقترن بالعلم والفن، لكنه قد ينقلب إلى طمع مدمّر إذا تحوّل إلى هيمنة عمياء. وفي احتكاكه بالثقافات المختلفة، جسّد الصقلي قيم الاحترام والانفتاح باعتبارها أساسية للتعايش، وهو ما يتناغم مع ما ذهب إليه كلود ليفي ستروس حين اعتبر أن العلامة التي تميز الثقافة الإنسانية هي اللغة، إذ لا يمكن أن يوجد تواصل أو حوار مع الآخر إلا عبر لغة ورموز مشتركة؛ وياسين استطاع أن يندمج في ثقافات شتى رغم اختلاف الألسن. كما أن رحلاته أبرزت بعدًا مؤسساتيًا للثقافة، إذ أنه احترم قوانين وعادات المجتمعات التي حل بها، مؤكّدًا ما أشار إليه ويل ديورانت من أن الثقافة هي التي نقلت الإنسانية من الفوضى إلى النظام، ومن العنف إلى القانون. وإلى جانب ذلك، تجلّت في تجربته فكرة إدغار موران حول ازدواجية الثقافة، فهي من جهة تحافظ على الهوية، لكنها من جهة أخرى تبقى منفتحة على الإغناء المتبادل، وهو ما يعكسه مسار الصقلي الذي جعل من رحلاته فضاء لتلاقح الثقافات وإغنائها المتبادل

5 -

   ومن خلال هذه التقاطعات الظاهرة يمكن القول أن تجربة ياسين الصقلي ليست مجرد تجربة شاب مغربي يجوب العالم، كما يفعل العشرات من مغاربة العالم، بل هي تجربة استثنائية، سواء أدرك ياسين ذلك بوعي منه أو بدونه. لقد جعل من السفر والترحال ممارسة فلسفية في حد ذاتها، إذ يظهر من خلال تجربته أن التنقل بين الأمكنة ليس مجرد حركة جسدية، بل هو تفكير بالمشي، واستكشاف للذات عبر الآخر، ودرس في الأخلاق والتواضع والإنصات. هكذا تتقاطع مغامرته مع ما يسميه الفلاسفة “فلسفة المشي”، حيث يتحول الطريق إلى مختبر للمعنى، وبذلك، يصبح مسار هذا الرحالة امتدادًا لتراث أدب الرحلة العريق، لكنه في الوقت نفسه يقدّم أفقا جديدا وتجربة تلهمنا نحن المربين على ربط الفكر بالممارسة، وتقديم نماذج حيّة لأجيالنا حول معنى التعايش، والعيش المشترك.

3 -
رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة