
بقلم: الأستاذ عبد الله خرو♦️بينما يحاصر الصقيع قمم الأطلس، وتجتاح السيول ضفاف الشمال والغرب، تنمحي الحدود التضاريسية لتتوحد الآلام الوطنية.
♦️ في هذا المقال،الذي يتجاوز الوصف الجغرافي ليغوص في “سوسيولوجيا الصمود”ليوجه نداء أخلاقيا للأجيال الصاعدة لتبني قيم الحكامة الجيدة، وكسر حلقة “تكرار الكوارث” عبر ربط المسؤولية بالمحاسبة كمدخل للسيادة الإنسانية على المجال.
♦️ وحدة المصير الجغرافي: رسالة من “ابن الجبل” إلى “أهل السهل”
إلى تلاميذي وتلميذاتي، بذور المعرفة وقادة المستقبل في شمالنا وغربنا الأبي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ سلاما ينبعث من صقيع القمم ليدفئ قلوبكم في غمرة السيل، وتحية تستمد شموخها من الأطلس الذي احتضن نشأتي، لتفيض بمودة توازي كرم سهولنا الغالية التي تئن اليوم تحت وطأة الفيضان.
أخاطبكم اليوم وفي الوجدان “تدافع مجالي” بين صقيع الأطلس ومياه غمر الغرب والشمال، لا بصفتي مراقبا من خلف مكتب مريح، بل كشريك في “وحدة المصير الجغرافي”؛ هذا القدر الذي طوعه الإنسان المغربي عبر التاريخ ليصنع حضارة ضاربة في الجذور، لم تنكسر يوما أمام وعورة التضاريس ولا أمام قسوة المناخ. إننا يا أبنائي لا ندرس الجغرافيا لنحفظ أسماء الأودية، بل لنفهم كيف نصمد أمام خريطة الأنهار وديناميتها الخاصة.
♦️ الجدلية الفلسفية: بين الحتمية الطبوغرافية والسيادة الإنسانية
إن ما نعيشه اليوم هو تجسيد حي لذاك التدافع الفكري العتيد في تخصصنا بين المدرسة الحتمية لـ “فريدريك راتزل” (Ratzel) التي ترى الإنسان خاضعا لنواميس الأرض، والمدرسة الإمكانية لـ “فيدال دي لابلاش” (De la Blache) التي تراهن على قدرة الإنسان على تطويع مجاله. وإذا كانت الطبيعة قد أعلنت “سيادتها الطبوغرافية” بالماء والثلج، فإن الرد الحقيقي يكمن في فرض “السيادة الإنسانية” الواعية.
فالجغرافيا، في عمقها السياسي، هي صراع إرادات؛ إرادة الطبيعة في فرض إكراهاتها، وإرادة الإنسان في هندسة مجال آمن. نحن لسنا مجرد أرقام في معادلة المناخ، بل نحن “الفاعل الجغرافي” الأسمى الذي يجب أن يمتلك الرؤية لتجاوز عثرات التدبير.
♦️ البعد الجيو-اقتصادي: حين يغرق السهل يجوع الوطن
إن سهل الغرب والشمال ليس مجرد تضاريس منبسطة، بل هو “خزان استراتيجي” للأمن الغذائي الوطني والقاري. ومن منظور الجغرافيا الاقتصادية، فإن كل هكتار تغمره المياه هو “نزيف اقتصادي” يضرب سلاسل الإنتاج ويؤثر على القدرة الشرائية للمواطن. إن تعطيل الدورة الاقتصادية في هذه المناطق بسبب الفيضانات المتكررة يعكس غياب رؤية اندماجية في “التهيئة المجالية الاستباقية”؛ تلك التهيئة التي يجب أن تحول الماء من “عدو” يجتاح البيوت والمحاصيل إلى “حليف” يخزن لسنوات العجاف. إن إدارة الندرة والوفرة هي جوهر السياسة الجغرافية الناجحة.
♦️ نقد التدبير: في مواجهة “هدر الذاكرة المجالية”
الواقع يا أبنائي أن تكرار الكوارث بالصورة ذاتها يكشف عما نسميه في علم التدبير “هدر الذاكرة المجالية”؛ حيث تغيب الاستفادة من تراكمات الماضي وإكراهاته، وتتجدد المحن نتيجة الركون لممارسات تدبيرية لم تقطع مع هفوات الأمس. إن المأساة الحقيقية ليست في غزارة المطر، بل في إعادة إنتاج نفس الأخطاء التقنية والتدبيرية في كل موسم. وهنا تبرز الحاجة الملحة لتفعيل آليات “الحكامة الجيدة” والمبدأ الدستوري القاضي بـ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” وتخليق الحياة العامة، كصمام أمان يحمي الإنسان والمجال.
♦️ رسالة للأجيال: صناعة بديل “الحكامة الجيدة”
أنا لا أحملكم اليوم، يا أبنائي، وزر تقصير تدبيري لم تكونوا جزءا منه، بل أُعدكم لتكونوا الجيل الذي يكسر هذه الحلقة المفرغة بالاعتماد على العلم والنزاهة. إنني أرى فيكم أطر الغد ومدبري الشأن العام في مغربنا وعمقنا الإفريقي الذي يعاني بدوره من اضطرابات مناخية تتطلب “ذكاء جغرافيا” جماعيا.
إن الأمانة تقتضي منكم الالتزام بقيم الشفافية. ومن خلالكم اليوم، نحن نربي جيلاً لن يقبل أخطاءكم (في إشارة لمدبري الشأن العام المقصرين) جيلا سيجعل من المحاسبة واقعا يوميا، لكي لا تظل الطبيعة تعيد دروسها القاسية علينا نتيجة عجزنا عن استيعاب عبر الماضي.
إن الثلج الذي يواري دروب الأطلس هو الوجه الآخر للغيث الذي غمر حقولكم؛ هي جغرافيا واحدة، وتاريخ واحد من التحدي. وكما علمتني الجبال أن الثلج لا بد أن يذوب ليحيي الجداول، ستثبت لنا التجربة أن شمس “الحكامة والنزاهة” ستشرق حتما بعد كل حقبة تدبيرية عاتمة.
تذكروا دائما أن الجغرافيا لا تصنع التاريخ بمفردها، بل الإنسان المسؤول والمؤمن بقيم الحكامة هو من يكتب التاريخ المشرف على وجه الجغرافيا. كونوا جبالا في السهول، وعزائم لا تقبل الغرق في مستنقعات التهاون واللامبالاة.
حفظكم الله ورعاكم، يا فخر أستاذكم.. وحمى الله مغربنا من جنوبه إلى شرقه، مرورا بقمم أطلسه إلى ضفاف شماله وغربه.
-ذ : عبد الله خرو
ـباحث في الجغرافيا الاقتصادية والسياسية لإفريقيا
ـ منسق نادي التاريخ والجغرافيا للبحث والتنمية
المصدر : https://www.safinow.com/?p=22947


عذراً التعليقات مغلقة