الدكتور سعيد ياسين…”الله يرحم من ربّاك”

الدكتور سعيد ياسين…”الله يرحم من ربّاك”

-أسفي الأن
اراء بلاقيود
-أسفي الأن5 فبراير 2026آخر تحديث : الخميس 5 فبراير 2026 - 7:50 مساءً
الدكتور سعيد ياسين…”الله يرحم من ربّاك”
WhatsApp Image 2026 02 05 at 19.03.08 - أخوك منصف اليازغي *** سعيد ياسين…تمر الأحداث والوقائع بحلوها ومرها، والرجل كما هو، لم ولا ولن يتغير.
قبل 30 سنة بالتمام والكمال، التقيته أول مرة بمكتب أستاذنا الغالي محمد ظريف الذي كان رئيسا للتحرير بجريدة “المستقل” التي كانت أول يومية مستقلة بالمغرب. قدمه لي الدكتور ظريف، وهو بالمناسبة كان أستاذي بكلية الحقوق، على أساس أنه شاب يرغب في الكتابة في صفحة الرياضة التي كانت تتلمس خطواتها الأولى. وجدت ياسين مُمسكا بورقة تحمل أخبارا متفرقة بخط يده، اكتشفت أنه خبير بكرة السلة، ودادي الهوى، يغلب عليه الخجل كثيرا، لكن الأهم أنني اكتشفت لاحقا أنه مدجج بالإنسانية حد الثمالة.
أتذكر عندما استقلنا “طاكسي كبير أبيض” بثلاثة دراهم بالقرب من زنقة لوتيسيا وسط الدار البيضاء، متوجهين لأول مرة صوب منزله بحي مبروكة، أتذكر جيدا الطابق الثالث من منزل العائلة، وأتذكر بشدة سلامي على والدته، التي رحلت عنا قبل أيام رحمة الله عليها، وكلماتها العفوية “مرحبا أولدي هادي دارك…وتهلا فسعيد ديرو بحال خوك”.
بمنزل أخي سعيد، تعرفت على عائلة متجانسة، أصولها من زاكورة، لم تغير منها وحشية الدار البيضاء أي شيء، الطبع الهادئ، كرم ناس الجنوب، أما روح النكتة والدعابة فتلك قصة أخرى.
كان ظاهرا أن سعيد حكى لعائلته عني مطولا، فقد كنت ألمح ذلك في حديثهم معي، في تقديرهم الشديد لي وترحيبهم الكبير بي، بداية من الأخ الأكبر الأستاذ إبراهيم بنقاشاته الرصينة والعميقة المحملة بخبرة السنين، مرورا بالأختين حبيبة وفاطمة، بخفة الدم الرهيبة التي تتمتعان بها، وصولا إلى الأخ عبد الرحيم الذي لن تسلم من حكاياته وأحاديثه العفوية قبل ولوج سلم المنزل.
WhatsApp Image 2026 02 05 at 19.03.08 2 -
كنت حينها غريبا في الدار البيضاء، بعيدا عن أسرتي، موزعا بين العمل في الصحافة والدراسة في الجامعة، حيث كانت الدعوة لوجبة غذاء أو عشاء في منزل عائلي أشبه بدعوة لفندق فاخر. أصبح منزل سعيد ياسين مألوفا لدي، ما بين وجبات الغذاء بكرم حاتمي، ووجبات الإفطار في رمضان التي لا نفارق مائدتها إلا وآذان العشاء في مسجد صغير قبالة البيت ينبهنا إلى أن غذاء الروح أهم بكثير من غذاء البطن… هذا الكرم العائلي بمنزل سعيد ياسين عاشه الكثير من الصحافيين سواء بالدار البيضاء أو خارجها.
منزل سعيد كان أيضا الملجأ الذي نلوذ إليه عندما تقذف بنا ندوة صحافية أو جمع عام في توقيت متأخر من الليل صوب شوارع الدار البيضاء الرهيبة، وحينها قد نلتصق بسيارة صحافي أو مصور لوجهة واحدة لا غير “منزل الوالدة في حي مبروكة”، المبيت هناك، فطور في الصباح لا تعرف متى رُصَّ رَصّاً على المائدة، قبل الانغماس في شوارع كازابلانكا في اتجاه العمل بنفس الملابس التي حملناها بالأمس.
سعيد كان صحافيا بالفطرة، هو خريج صفحات جريدة “أنوال” الناطقة بداية بلسان حركة “23 مارس” اليسارية سنة 1979 قبل أن تتحول في ما بعد إلى لسان حال “منظمة العمل الديمقراطي الشعبي” عام 1983. ولأن سعيد لا ينكر الجميل، مازال يذكر إلى غاية الآن أفضال من احتضن مقالاته الأولى في الجريدة، خصوصا خالد المختاري وصلاح الدين القشيري، ثم يتذكر مروره بجريدة “بيان اليوم” ورعاية الزميل محمد الروحلي له، هو هذا سعيد ياسين، يعترف بفضل كل من قدم له جميلا في مساره، ولا ينتظر من أحد ان يعترف له بشيء، فذاك ديدنه، وتلك الطبيعة التي جُبل عليها، أفضاله الكثيرة يحسبها أحجارا يرميها صوب البحر، ليحتفظ بها القاع، فذات يوم قد يجف الماء، ويختفي القش من على سطح البحر، وتظل تلك الأحجار شاهدة على بصماته الإنسانية.
أتذكر نهاية سنة 1996، كنا عائدين مساء من القاعة المغطاة محمد الخامس التي كانت تحتضن بطولة إفريقيا في كرة السلة، مررنا بالقرب من إقامة جميلة، وأخبرني أن البطلة فاطمة عوام تقطن هناك. وسط اعتراضه وتنبيهاته، وغلبة حماسي الصحفي، توجهت إلى شقتها، ضربت الجرس، خرج زوج الراحلة الذي كان على ما أظن في سلك الأمن، أخبرته بأني صحافي أريد أخذ موعد مع البطلة السابقة عوام لإجراء حوار، أجابني الرجل وهو بملابس النوم مبتسما حريصا على هدوئه “واش شفتي شحال ف الساعة؟”، كان الجواب مقتضبا حاملا لدرس بليغ في مساري، لا تدع حماسك الصحفي ينسيك أن هناك خصوصية يتوجب احترامها، غادرنا الإقامة وسعيد يحرك رأسه منتشيا “كولتهالك أصاحبي وما تاتسمعش”.
إصرار سعيد ياسين على معانقة الصحافة ساعده على ولوج الجريدة التي أشتغل بها، بداية كمتعاون بدون أي مقابل، نعم الأمر كان كذلك، يضع مقالاته وينصرف في انتظار صدورها في اليوم الموالي، قبل أن يلتحق، باقتراح مني، بالمقر المركزي رسميا خلال تحول الجريدة إلى الصدور يوميا مجددا سنة 2001، بعدما تحولت إلى الصدور أسبوعيا سنة 1997.
لم يكن يتعدى أجر الملتحقين بنا ألف درهم في الشهر، تحت مسمى “مرحلة تجريب” طالت كثيرا، ودفعت الكثيرين إلى البحث عن آفاق أخرى أرحب. وللأمانة، كان سعيد يشتغل بجهد يعادل 10 أضعاف أجره، كان في كل يوم يطور أداءه، يصحح ما فاته بالأمس، كان ماكينة من الاقتراحات التي تفوق إمكانية المؤسسة التي نشتغل فيها. عندما يلج مقر العمل صباحا، تجده في حالة استنفار لا تهدأ نسبيا إلا بعد إغلاق الصفحات. هذا ما أسميه الشغف الحقيقي بالصحافة.
لن أنسى “كاسكروط” المحلبات التي تعودنا على مغازلتها بعد انتهاء العمل منتصف اليوم، سواء في مقر الجريدة بطريق الجديدة أو في “حي بلفدير”، 6 إلى 10 دراهم كانت كافية لالتقاط الأنفاس قبل الانطلاق صوب إعداد واحدة من صفحات الغد. أما في الأيام الأولى من الراتب الشهري، فالسمك ينادينا بقوة، وما علينا إلا أن نوجه الشراع صوب درب غلف، وفي حالات أخرى نحو درب السلطان حيث “كفتة الجمل” في انتظارنا هناك. ولـ “التاريخ”، كان سعيد متخصصا في اكتشاف أماكن جديدة للأكل بأسعار مناسبة، بعضها يكون سببا في الثناء عليه، وبعضها يكون سببا في حصة من التقريع في طريق العودة، ممزوجة بما تبقى من إحساس بالجوع.
سعيد ياسين كان مقبولا عند جميع الزملاء الصحافيين، كبيرهم وصغيرهم، وحتى مختلف المسؤولين يكنون له احتراما فائقا إلى غاية الآن. نجح في تكوين رصيد مهم من العلاقات التي هي رأسمال أي صحافي، أجندته لم تهدأ يوما عن التهام هواتف اللاعبين والمسؤولين. وكعادته، يبدأ محادثته الهاتفية بابتسامة عفوية، قبل أن يبدأ في استدراج مخاطبه لتصريح أو “سكوب”، وصباح اليوم الموالي يحضر وعلامة النصر على محياه “بّا منصف…فقرة الصحافة بالإذاعة الوطنية قراو ثلاثة ديال العناوين من صفحتنا الرياضية”، يقولها وهو يمسك بدرهمين “حرشة” وكأس شاي، هكذا عرفت سعيد ياسين “الصحافي”.
WhatsApp Image 2026 02 05 at 19.03.08 1 -
رحم الله رضوان الخمالي الصحافي بجريدة “العلم”، كان في كل مرة يلتقيني فيها يوصيني بسعيد ياسين ابن “منطقته”، حتى أني كنت أستبق توصيته في المرات المقبلة التي ألتقيه فيها قائلا “صافي أسي رضوان.. غادي نتهلا ف سعيد”، فتنطلق ضحكته وهو يحضنني، كان رحمه الله، بطيبوبته، أحد باعثي الثقة في سعيد.
رافقني سعيد ياسين خريف سنة 2003 إلى مركز إفران لألعاب القوى لمواكبة استعدادات العدائين لبطولة العالم بباريس، وتكفل بنقلنا العداء السابق ومنظم ماراطون الدار البيضاء الدولي الصديق والأخ محمد المعزاوي بسيارته “كونغو الحمراء”. التقينا بالبطلة نزهة بيدوان على أرضية الحلبة وبعدها البطلين هشام الكروج وجواد غريب، قمنا بزيارة لمختلف المرافق والتقينا أيضا ببعض العدائين الشباب، في لحظة انتبهنا إلى “اختفاء” سعيد، التفتنا جميعا نبحث عنه، حتى سمعنا طرقا بعيدا في بوابة مستودع الملابس، اكتشفنا أن الحارس أغلق الباب عليه بدون قصد بعدما تأخر في الداخل، “أفرجنا” عنه وسط قهقهات لئيمة منا وسيناريوهات حبكناها حول بقائه بالداخل، وكعادته، خرج ضاحكا مطأطأ الرأس وهو يفرك عينيه بيده تعبيرا عن الخجل، مازالت بيدوان تتذكر ذلك في كل لقاء معها !!
رحل سعيد بحثا عن تحسين وضعه المالي صوب أسبوعية “الصحيفة” بخطها العنيد، اشتغل على ملفات عديدة، قبل أن يكون أحد مؤسسي قناة “الرياضية” سنة 2006، وبها قدم برامج عديدة على رأسها “المغرب الرياضي”، قبل أن يرتقي باستحقاق لمنصب رئيس تحرير بالقناة. وفي لحظة هو أدرى بشعابها، قرر الرحيل صوب الإذاعة الجهوية للدار البيضاء رافعا يافطة “تبدال العتبة راحة للجميع”، لكنه لم يهدأ له بال إلا وهو يُوَقع بتلك الإذاعة المرجعية على برنامجين رائعين “هنا الجامعة” و”هكذا بديت”، قبل أن يدخل تجربة جميلة ومستحقة وهو يقدم دروسا في معهد الإعلام بالدارالبيضاء منذ سنوات.
ولأن الجدية والنية تخلص لصاحبها، أو كما يقولون بالفرنسية “le sérieux paye”، فإن سعيد ياسين اختير قبل حوالي سنة من بين عدة مترشحين لمنصب مدير الإذاعة الجهوية للدار البيضاء، متوجا مسارا إعلاميا رصينا، فسعيد احترم المهنة، فبادلته الاحترام نفسه.
عشية ذات يوم من سنة 2000، طلب مني اللقاء به على عجل في مقهى الحبوس “La croissanterie” التي كانت مجمعا تقليديا لشلة مشكلة على الخصوص من العزيزين خراشي ورمرام، وأحيانا ينضاف إلينا معتصم ويزي والمودن وبنطالب، وجدته يتقدم إلي وهو محمل بأعباء الدنيا قائلا “خويا منصف…رسبت مجددا في السنة الثانية حقوق”.
توقف سعيد عن الدراسة، لا أدري كم من سنة، وانشغل بالصحافة، وفجأة قرر أن يعود لمقاعد الدراسة بالكلية، وعكس سيزيف الذي كان يحمل الصخرة لأعلى الجبل فتنزلق منه ويعاود المحاولة، فإن سعيد صعد بصخرته بثبات يجعلك تقف احتراما له على إصراره، نال الإجازة، ثم الماستر، قبل أن ينال الدكتوراه دجنبر الماضي، وهي المناسبة التي لم يكتب لي أن أكون حاضرا فيها ضمن لجنة المناقشة بحكم تواجدي خارج المغرب، بعدما تشرفت بأن أكون ضمن لجنة مناقشة بحث الماستر.
نعم هي حكاية رجل منكسر بمقهى الحبوس، تحول إلى دكتور بحضور الأهل والأحباب، وهي آخر هدية قدمها لوالدته شهرا واحدا قبل التحاقها بالمولى عز وجل.
سعيد… الحريص على مشاركة الجميع ما يحزنهم، هو نفسه الذي تجده منخرطا في العمل الجمعوي بشكل رهيب، فقط اطرق هاتفه واطرح عليه فكرة ندوة أو عمل إنساني، ستفاجأ بحماس كبير وتطوع لا حدود له. ووسط كل ذلك لن تسلم من مقالبه، وأتذكر جيدا صيف سنة 2004، كنت عائدا من جولة في أرفود ومرزوكة والراشيدية، أخبرني أنه في مخيم للأطفال بعين خرزوزة نواحي آزرو، ولأنه لا يريد للحظة أن تمر بدون ذكريات، تواطأ معي لكي أحضر بصفتي مفتشا للمدربين، أي الأطر التربوية المشرفة على فرق الأطفال، علما أن لي تجربة طويلة في مجال التخييم طفلا ومدربا.
أعلن ياسين عن ذلك في إذاعة المخيم، حللت بالمخيم مساء، ولكم أن تتصوروا الأجواء التي عشتها طيلة يومين، وكيف قلب هذا “المقلب” مخيما رأسا على عقب بدعوى أني حاضر بصفتي مفتشا لإجراء اختبار الترقية للمدربين…أكتب هذه الفقرة وأنا غارق في الضحك، خصوصا عندما أتذكر ما فعله في أحدهم الذي ظل مقتنعا بأني مفتش تربوي حتى بعد مغادرتي للمخيم، فقد كان يقول لهم “سأتصل بالمفتش لأخبره بما يقع” !! ..
كرم سعيد يفوق التصور حتى وهو لا يملك فلسا واحدا في جيبه، خدوم حد اللحظة التي قد تفرض عليك تنبيهه بأنه لا يمكن أن تكون صديق الجميع ولا يمكن أن تهدر وقتك كاملا في خدمة الآخر، خصوصا إذا كان العائد من ذلك جحودا ونكرانا.
في اللحظات الحرجة التي عشناها، والمواقف المرتبكة التي واجهتنا معا أو بشكل منفرد، تجد سعيد بحبكة فريدة يحول تلك اللحظات إلى لحظات ضحك وابتسامة بقفشاته وحسه الفكاهي “اللذيذ”…رفقة سعيد قطعت كيلومترات في شوارع الدارالبيضاء مشيا على الأقدام عندما تجف الجيوب، مسافات تبادلنا فيها كل شيء، بما فيها ما كان يردده دائما “التحنسير…راني محنسر”، وجيلي يعرف معنى هذه الكلمات.
سعيد مؤمن بالعائلة الصغيرة والكبيرة، وحريص على علاقته مع محيطه، لا يمكن أن تجده مرتكنا هادئا، فهو دائما منخرط في أوراش وبرامج متعددة، يملك طاقة تنظيمية رهيبة، دعوته لحفل او ندوة أو لقاء تعني انخراطه الطوعي في إنجاح التنظيم بلازمة تكررت أمامي كثيرا “وغير كول شنو خاص.. فاش يمكن نعاونو”…وهنا لن أنسى انخراطه الطوعي إلى جانبي من أجل تأثيت أول فضاء خاص بالكتب الرياضية في المعرض الدولي للرياضة بالدارالبيضاء على مدى سنوات من مالنا الخاص.
هذا فقط غيض من فيض مما أكنه، ونكنه، لسعيد الإنسان، المتواضع، الخدوم، المرح، لا يمكن أن يضمر سعيد السوء لأحد، بمن فيهم من أساؤوا إليه ذات يوم، هو يرى الحياة على سجيته، ينسى الصدمات والإساءات سريعا، ويقبل على الحياة من جديد.
يشهد الله أني لم أبالغ في أية كلمة قلتها في حقه، بالقدر الذي أشهد فيه أني لم أوفيه حقه، فهي ثلاثة عقود جادت علي بأخ لم تلده لي أمي.
خويا سعيد، أختم، لأني وجدت صعوبة في التوقف عن الكتابة، وأنت تعرف أن هناك الكثير مما يقال، وأنت تودع والدتك الحنونة قبل أيام من الآن، أقول لك “الله يرحم من ربّاك”، وابقى كما عهدتك.
أخوك منصف اليازغي
رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة